•   تابعونا على :

متَّعناك بالشهادة !!

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الجمعة 23 يناير 2015

كان أحد الفقهاء في العصر العباسي ينتقد الخليفة ويشهِّر به في كل لقاء مع الناس، ويعتبر الخليفة لا يستحق أن يتولى أمر المسلمين، فقصر الخلافة أصبح مرتعا للفجور والخمور، وإقامة الليالي الماجنة، حتى أصبح المسلمون يقلِّدون ما يجري في قصر الخلافة من رقص وغناء ماجن وعربدات، والفقيه المعارض يعتبر أن الناس على دين ملوكها، أي أن الناس تقلد الملوك في سلوكها وفي لباسها وأعراسها، ومنهم من يذهب في هذا التماهي الملكي إلى حد تقليد الغضب الملكي، وتلكم قصة أخرى، والمهم أن الخليفة ضاق ذرعا بهذا الفقيه المعارض والذي بدأت تتسع شعبيته، فتم اعتقال الفقيه واقتادوه إلى الخليفة، الذي أمر سيّافه أن يقطع رأسه، وفي الوقت الفاصل بين الأمر والتنفيذ، توجه الفقيه إلى الخليفة قائلا: "أتقتل فقيها عالما حافظا لكتاب الله وداعيا لتطبيق سنة رسول الله..!!"، أجابه الخليفة - وأظنّه كان في حالة صحو تستعد لسُكْر- قائلا: "والله أيها الفقيه ما أمرنا بقطع رأسك إلا لنمتِّعك بالشهادة وتكون كباقي الذين قتلوا في سبيل الله الذين يحسبهم الناس ماتوا وهم عند ربهم يرزقون، ولقد تبرَّعنا عليك بالدخول إلى الجنة بغير حساب كباقي الشهداء الأبرار..!! في هذه النازلة التاريخية الشيء الوحيد المؤكد هو أن رأس الفقيه قد قطع، وتبرع الخليفة أمره عند ربك..!!

تذكرت هذ الحادثة التاريخية وأنا أرى تعدد مصادر التمتيع بالشهادة لدرجة يستحيل معها أن تفرق بين من متع ومن تمتَّع، فها هي جبهة النصرة الإسلامية تقتل إسلاميي داعش، فمن تبرع منهما ومن تمتع..؟؟ وها هي طائرات التحالف الغربي تقتل إسلاميي داعش وإسلاميي النصرة معا، فهل هذا القتل الأجنبي سيجعل قتلى داعش وقتلى النصرة يتمتعون بالشهادة، رغم أن كل فصيل يكفر الآخر..!! وهذا الذي قتل الشرطي الفرنسي المسلم الذي كان يحرس مقر جريدة "شارلي إيبدو"، كما أن هذا القاتل المسلم هو الآخر قتلته الشرطة الفرنسية، نسأل أيهما تمتع بالشهادة، أم يجوز فيهما أن القاتل والمقتول في النار، كما جاء في الحديث النبوي الشريف الذي يقول: "إذا التقى المسلمان بسيْفيهما فالقاتل والمقتول في النار فقيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه"..!! وهو حديث صحيح تضاربت حوله آراء فقهاء المذاهب والفرق الإسلامية، ومن آنس من القراء الأعزاء في نفسه صبرا وتحملا، فليرجع إلى الآراء التي قيلت بشأن هذا الحديث الشريف، والأكيد أنه سيخرج بفوائد متعددة يحتاجها كل من يواجه هذه التعسفات الدينية..!!

ولعلي لن أكون بعيدا عن الصواب حين أقول إن هذه العتمات الكبيرة التي تحيط بالشهادة والاستشهاد والجهاد والاستجهاد هي التي أوصلتنا إلى هذا العنف الدموي باسم الدين، بل هي المسؤولة الأولى عن هذه الهمجيات الدموية، تضاف لها أسباب أخرى دون شك، فقتل يهود لا لشيء إلا لأنهم يهود لا أظن أنه يمتع القاتل بالشهادة بقدر ما متع القتلى الأربعة اليهود بأن يدفنوا في إسرائيل أو في أرضهم الموعودة كما يقولون، وللاجئين الفلسطينيين أن يدفنوا في كل بقاع الأرض باستثناء أرضهم المنكوبة، أما "كوليبالي"، وهو اسم ارتبط غالبا بلاعبي كرة القدم الأفارقة المتميزين، فها هو أصبح لاعبا شاردا في ملاعب الجهاد الأهوج، الذي أوصلنا إلى هذا الكره الدولي، وأصبح الانتماء الإسلامي، من اسم وسحنة وجواز، يقتضي العزل والاحتياط والمراقبة واجتماعات أمنية وتنسيقات بين الدول العظمى، وفروا لها طاقات ومبادرات وتمويلات لا تقاس بالذي وفروه لوباء "إيبولا"، وقد تصبح الإصابة بـ "الإيبولا" أهون إذا لم ترتبط بالانتماء الإسلامي، ما المعنى أن يتمتع أحدهم باستشهاد مشكوك في صحته الدينية ويتمتع باقي المسلمين برفض دولي مؤكد وأكيد، رأفة بهذه الأمة التي دخلت أفواجا إلى الإسلام فلا تخرجوها أفواجا من الإسلام..!!

يحكي التاريخ الذي لا يعيد نفسه أن الكاتب الفرنسي المشهور "فولتير" كتب مسرحية "Fanatisme ou Mohamet"، وهي مسرحية مسيئة جدا للرسول الكريم محمد (ص)، وكان آنذاك "عبد الحميد الثاني" هو سلطان الدولة العثمانية، فلما بلغه خبر المسرحية المسيئة للرسول، استدعى القنصل الفرنسي بـ "اسطمبول" مهددا ومتوعدا وآمرا بإلغاء المسرحية، وحمّله رسالة يقول فيها: "إن قمتم بعرض هذه المسرحية القبيحة التي تستهدف نبي المسلمين، وأشرف الخلق أجمعين، سأحشد لكم كافة العرب والمسلمين"..!! ذهب القنصل إلى باريس يحمل رسالة الإمبراطور العثماني، وأخبرهم أن هؤلاء مستعدون لدخول الحرب من أجل مسرحية، قالوا إن فرنسا منعت آنذاك هذه المسرحية، وإن كان ولحد علمي أن المسرحية أقيمت، لأن الإمبراطورية العثمانية آنذاك كانت في بداية سقوطها وأصبحت تسمى بـ "الرجل المريض" ولم تعد مهابة الجانب، كما كانت في أيام عزها، أو كما يقول آخرون منعوا المسرحية لفترة وجيزة، وبعد ذاك سمحوا بانطلاقها، ولا غرابة، فالإمبراطورية العثمانية تحتضر والجالية المسلمة في فرنسا آنذاك شبه منعدمة، والعالم آنذاك لم يعرف بعد التصوير ونقل المشاهد، ولعل من حسن حظ "فولتير" أنه لم يعاصر رفاق "كوليبالي"، أو لعل آنذاك لا أحد كان يريد أن يتمتع بالشهادة..!!

يبقى فقط أن أقول إن هناك رأيا يقول: التكفير هو بداية التفكير، وكم أخاف أن يمتد التكفير ويطول، ومن ثم يصبح التفكير بلا جدوى وبلا معنى..!! اللهم خفف ما نزل بنا وبالشهادة…!!

وكل شهادة وأنتم……………!!

تعليقات الزوار ()