هكذا ساهم “مول الحانوت” عبر “كناش الكريدي” في تدبير جائحة كورونا

  • رضوان مبشور

هو كذلك ينتمي إلى من قيل عنهم “أبطال بلا مجد”، يقف في زمن “كورونا” لساعات طويلة من الزمن خلف “الكونطوار” لخدمة ملايين المغاربة المحجورين في منازلهم، مواجها فيروسا قاتلا لا يرى بالعين المجردة ومعرضا نفسه للخطر، وهو الذي يفرض عليه الواقع والمنطق أن يكون حاضرا على الدوام في الحي لتلبية حاجيات ساكنيه.

هو “مول الحانوت”، الذي وجد نفسه مضطرا للمساهمة في تدبير المرحلة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي من خلال “كناش الكريدي” الذي وضعه رهن إشارة العديد من الأسر للتخفيف من الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي خلفها انتشار فيروس “كورونا” وتوقف مختلف الأنشطة الاقتصادية لأغلب المغاربة.

بينما تحصي وزارة الصحة عدد المصابين بالفيروس ومخالطيهم، ويجول رجال السلطة رفقة عناصر القوات المساعدة مختلف الأزقة والشوارع لمراقبة مدى احترام الجميع لإجراءات السلامة، ويقف رجال الأمن في «الباراجات» لتتبع مدى احترام السائقين لحرية التنقل المقيدة بشروط صارمة، ويصل الأطباء والممرضون الليل بالنهار ساهرين على صحة المرضى مضحين بصحتهم النفسية وعائلاتهم وأطفالهم، ويجد الصحفيون بدورهم أنفسهم في الصفوف الأمامية لمحاربة الأخبار الزائفة ونشر الوعي بين الناس في هذه اللحظة الحساسة التي تجتازها البشرية، وينهمك عمال النظافة في تنظيف الأزقة والشوارع بشكل يومي ومستمر، هناك جنود آخرون لا أحد انتبه لهم، وهو القابعون خلف «الكونطوار» من أصحاب البقالة والتجارة الصغيرة في الأحياء والأزقة والدروب، ممن وجدوا أنفسهم كذلك في الصفوف الأمامية لمحاربة الجائحة خاصة في الشق المتعلق بما هو اقتصادي واجتماعي ونفسي كذلك.

إذا كانت الدولة المغربية قد أبدعت فكرة ذكية لمواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية بإنشائها، بتعليمات من الملك محمد السادس، صندوقا خاصا لتدبير الجائحة، ساهم فيه المغاربة من أموالهم بما يزيد عن 32 مليار درهم، خصص جزء كبير منها لدعم من توقفت أنشطتهم التجارية والاقتصادية، فهناك تجار صغار ينتشرون في كل مكان، وضعوا بدورهم دفاتر على «الكونطوار» تتضمن حسابات خاصة، هذه الدفاتر تضاعف حجمها في زمن الجائحة، بعدما لم يجدوا أي بد من منح زبنائهم ممن أصبحوا مفلسين أو شبه مفلسين، في ظل توقف أنشطتهم الاقتصادية، كل ما يحتاجون إليه. وبذلك فهم يلعبون أدوارا كبيرة في النسيج الاقتصادي الوطني، بفضل الخدمات التي يقدمونها للمواطنين عن طريق عمليات الاقتراض.

وبذلك فـ»مول الحانوت» أبدع بدوره فكرة ذكية، أو وجد نفسه مجبرا على اللجوء إليها، مساهمة منه في ضمان السلم الاجتماعي للبلد، وتعزيز مبادئ التكافل الاجتماعي، عبر منح السلع للزبناء مع إعطائهم أجلا مفتوحا لتسديد ثمنها دون أن يجمع بينهما أي عقد سوى «الكارني»، وأحيانا لا يكون هناك أجل، فيستمر هذا الاتفاق الشفوي المبني على «الثقة» إلى أجل غير مسمى.

ففي الوقت الذي ظهرت فيه في عز الجائحة مجموعة من المبادرات الإنسانية التي حركت الحس التضامني لدى المغاربة، كانت من بين تلك المبادرات «»كارني مول الحانوت»، التي أطلقتها مجموعة من الفعاليات الجمعوية والمبادرات الفردية، وهي المبادرة التي لاقت استحسانا كبيرا من لدن التجار الصغار من أصحاب محلات البقالة، ذلك أن أصحاب المبادرة لا يقومون فقط بالتعريف بالدول الاجتماعي للبقال، بل يقومون بتسديد ديْن بعض المَدينين الضعفاء، وهو ما يخفف العبء عنهم، وعن البقال أيضا.

فهذه المبادرات التي كانت موجودة على الدوام وسع من دائرتها «مول الحانوت» في زمن الجائحة، وعندما نقوم بتحليلها على ضوء تفسيرات علم الاجتماع، نجد أنها في الحقيقة مبادرات لا تهدف إلى إبراز فعل الخير، بل تؤكد على تقاليد مغربية مرعية كانت بارزة منذ القدم، عندما كانت الثقة والالتزام سائدين في المجتمع، غير أننا اليوم نجد أن هذه القيم تعززت رغم التغيرات الكبيرة التي حصلت في بنية المجتمع المغربي، حيث تقلص منسوب الثقة وظهرت المحلات التجارية الكبرى التي تشتغل بشكل رقمي وحاصرت الأنشطة التجارية الصغرى، غير أنها لم تستطع في مقابل ذلك منافستها في الأدوار الاجتماعية التي ظل يلعبها التاجر الصغير، حيث أن الفضاءات التجارية الكبرى لها بعد ربحي بالأساس، بينما التاجر الصغير يتجاوز الدور الربحي لينخرط في مجموعة من الأدوار الاجتماعية والتكافلية.

وهكذا فـ»مول الحانوت» يمكن اعتباره في زمن الجائحة، عن طريق «كناش الكريدي»، عنصرا أساسيا من عناصر الحماية الاجتماعية في المغرب، ليس فقط بسبب العدد الكبير من المواطنين المغاربة الذين يمكنهم التعامل بـ»الكارني» مع «مول الحانوت»، من توفير حاجياتهم من المؤونة الغذائية دون أداء مقابلها في الحين، بل أيضا لكون هذه المعاملة تعكس قيَم التعاضد والتكافل والتضامن بين أفراد المجتمع في الأوقات العادية، وتتعزز بشكل أكبر في أوقات الأزمات، كالتي نعيشها حاليا.

وبالرغم من أن فئات من المغاربة أصبحت تقتني حاجياتها من المواد الغذائية من المتاجر الكبرى التي غزت المدن المغربية، فإن التعامل بـ»الكارني» مع «مول الحانوت» مازال حاضرا بقوة، حتى في الأحياء الراقية، ففي الأحياء التي يعيش بها من لهم دخل مادي محترم عادة ما يلجأ رب الأسرة الذي يكون في سفر إلى الاتصال بـ»مول الحانوت»، ويطلب منه أن يمنح أهل بيته ما يريدون إلى حين عودته، وهي الخدمة التي لا يمكن أن يقوم بها غيره.

بالتفصيل في الأدوار التي يلعبها التجار الصغار في الدروب والأزقة، نجد أن أدوارهم تتخطى ما هو اقتصادي واجتماعي، فهم يتجاوزون منح السلع لزبنائهم عن طريق «الكريدي» إلى درجة أن زبونهم يمكن أن يقترض منهم النقود كذلك، فيمكن للزبون أن يقول لمول الحانوت «عطيني الخبز والسكر والدقيق.. وعطيني 200 درهم»، وهو ما يعني أنه يلعب نفس الدور الذي تلعبه الأبناك مع اختلاف الفارق والمستويات، وهو الطرح الذي يذهب إله الدكتور عمر أمرير، المهتم بدراسة هذه الفئة الاجتماعية، ومؤلف كتاب «العصاميون السوسيون في الدار البيضاء».

عمر أمرير وفي حديثه مع «الأيام»، يقول إن التجار الصغار وأغلبهم ينحدرون من مناطق سوس عادة ما يتعاملون بمفهوم «الثقة»، وهي سر تفوقهم في المجال التجاري. ويتابع: «… ظهر لي من خلال ما كتبت عن التجار «السواسة» على وجه الخصوص أن لهم تقاليد أساسها الثقة، وخاصة مع الزبناء، فسواء كان هذا الزبون من دكالة أو من الشاوية أو من فاس، فالبقال لا تهمه أصول زبونه سواء كان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا، فمهما كانت ديانته يبقى الأهم بالنسبة إليه هو إرضاء الزبون وأن يجد فيه ملاذه، لكن في مجال الماركوتينغ يبدو أن «الثقة» لها بعد كبير، وهي الميزة التي يتمتع بها التاجر السوسي، لذلك عادة ما يحظى هذا التاجر السوسي بمكانة استثنائية في المجتمع، فهو يُقَدّر ويُبَجّل ويُدعى لحضور الحفلات».

وحول ما إذا كانت الثقة مازالت موجود بين التاجر الصغير والزبون في ظل التحولات القيمية والمجتمعية التي يعرفها المغرب، يقول الدكتور أمرير: «… من الأكيد أن الثقة لم تعد موجودة في ظل التطورات الحاصلة، ما أفكر فيه الآن هو أن المؤسسات العلمية المتخصصة يجب أن تقف على عنصر الثقة كعنصر من عناصر التعامل الاقتصادي، وحتى إذا انتقلنا من ما هو محلي إلى ما هو دولي نتساءل مثلا كيف تتعامل روسيا تجاريا مع دولة أخرى، ونفس الشيء بالنسبة لأمريكا، حيث نجد بينهم أيضا عنصر الثقة، فلا تربطهم فقط المصالح التي تتحكم فيها الضغوطات الإيديولوجية، فـلا يجب أن ننظر اليوم إلى «الثقة» في مستواها العادي الطوباوي، بل كوسيلة من وسائل التبادل الثقافي والاقتصادي والفكري وتقويته وترويجه».

أمام كل هذه الأدوار التي يلعبها «مول الحانوت»، فهو يعاني من عدد كبير من الإكراهات، فرغم أن الفصل 31 من دستور المملكة المصادق عليه في العام 2011، الذي يقول: «… تعمل الدول والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتسيير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة في العلاج والعناية الصحية، وفي الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة».

فرغم قرابة عقد من الزمن من المصادقة على هذا الدستور غير أن القوانين التنظيمية لم تخرج إلى حيز الوجود ولم يتم بعد تفعيلها، وهكذا يبقى «مول الحانوت» على غرار مجموعة من الفئات الاجتماعية الأخرى بدون رعاية وتغطية صحية رغم الأدوار الكبيرة التي يلعبها في المجتمع.

بالإضافة إلى غياب الاستفادة من التغطية الصحية، فالتجار الصغار يعانون من الكثير من المشاكل والإكراهات، والتي يبقى على رأسها ما يسميه بعضهم «المنافسة غير الشريفة»، خاصة وأن مجموعة من الأسواق التجارية المتوسطة أصبحت تنافس التاجر داخل الأزقة والدروب، وهو ما يحتم على التاجر الصغير عصرنة أنشطته والاستعانة بالتكنولوجيات الحديثة، خاصة بعدما فرضت التجارة الإلكترونية نفسها بقوة.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. كريم

    مقال مفيد وممتع. كان ينبغي توقيعه.

اترك تعليق