رحلة إلى الولايات المتحدة

لا أعرف ما الذي لملم كل الخيوط لأضطر إلى السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية على عجل. ولا يمكن لعربي مثلي، أسود الشعر، مغاربي اللكنة، سوي العقل أن يغامر بالذهاب إلى بلاد العم سام في هذا الوقت العصيب، فحتى النفس والعاطفة لا تفي بالدفع إلى الإمبراطورية الجديدة، وهي اليوم لبست معطف المستعمر الجديد.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

 

لا أعرف ما الذي لملم كل الخيوط لأضطر إلى السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية على عجل. ولا يمكن لعربي مثلي، أسود الشعر، مغاربي اللكنة، سوي العقل أن يغامر بالذهاب إلى بلاد العم سام في هذا الوقت العصيب، فحتى النفس والعاطفة لا تفي بالدفع إلى الإمبراطورية الجديدة، وهي اليوم لبست معطف المستعمر الجديد.

 

في رحلة متعبة غير مباشرة من الدار البيضاء إلى باريس، ومن باريس إلى مطار نيويورك، كانت كل صور ما جرى مع الولايات المتحدة تتراقص في ذهني، بل إن صدري امتلأ، وخلال الساعات الطوال من الطيران، لم أجد بجانبي من أفرغ معه جزءا مما يعتمل بدواخلي، حيث كان هناك راكبان مجاوران لي جنسيتهما يابانية، وأنا بالكاد أفهم الإنجليزية، فما بالك اليابانية!

 

إن هذا الصمت الرهيب لن يكون إلا ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة، فمباشرة بعد النزول في المطار، ستحدث هناك هذه الحكاية التي أردت أن أشرك فيها قراءنا، لأنها ظاهريا رحلة شخصية، ولكن عِبَرها عامة قد تكون فيها فائدة لمن يبحث عن حجة للصورة الجديدة لإمبراطورية القرن.

 

كنت ضمن الركاب أنتظر دوري لأمر على الشرطة، وعندما جاء دوري، تفحصني الشرطي جيدا، ودعاني للانتظار، وبعد هنيهة نادى علي وبجانبه سيدة ملونة تتحدث بالفرنسية، وقد بدأت تترجم لي الأسئلة التي يوجهها لي هذا الحارس لحدود المطار وأنا أجيب:

 

– من أين أتيت؟

– من المغرب.

– ولماذا مررت على باريس؟

– لأن هناك طارئا، ولم يكن في هذا اليوم خط مباشر يربط الدار البيضاء بمطار نيويورك، والخط الوحيد كان يمر على باريس.

– ما هو العنوان الذي تقصده؟

– أنا صحفي، وهذا مثبت على جواز سفري، وأنا أفضل أن أقطن بفندق سأختاره بعد وصولي إلى وسط المدينة.

– لا، لابد أن تختاره الآن (!).

– فليكن، لنكتب فندق شيراتون.

 

وكتب الشرطي على ورقة معلوماتي اسم الفندق، وبدل أن ينتهي كل شيء، أخذتني المترجمة إلى مكتب منعزل، ووجدت ثلاثة موظفين أمام كمبيوتراتهم، أحالتني على واحد، فأخذ جواز سفري، وطلب مني أن أجلس.

 

هذه الجولة الأولى التي كانت عبارة عن جلوس، دامت زهاء نصف ساعة، لم يتكلم معي أحد إلى أن دعاني هذا الموظف، الذي سأعرف في ما بعد أنه من مصالح الهجرة، وقال لي عن طريق المترجمة إنه يستحيل علي الدخول إلا إذا أدليت بعنوان قار. وبطبيعة الحال، أعاد معي جميع أسئلة الشرطي السابق وأضاف إليها أسئلة أخرى، لما قدّمت له رقم هاتف الشخص الذي كان من المفروض أن ينتظرني في الولايات المتحدة:

 

– ما هو سبب الزيارة؟

– أمر شخصي.

– ما هو هذا الأمر الشخصي؟

– هذه خصوصياتي.

– لابد أن تقول لنا ما هو هذا الأمر الشخصي!

– طيب، إن أحد أفراد عائلتي الصغيرة مريض وسأزوره.

– من هو؟

– فلان الفلاني.

– متى دخل إلى أمريكا؟

– في الوقت الفلاني.

 

– هنا طلب مني الموظف أن أنتظر. فكانت الجولة الثانية التي استغرقت نصف ساعة أخرى، وقد خمنت أنهم ذهبوا للتأكد من الشخص الذي أعطيتهم اسمه وتاريخ دخوله إلى أمريكا.

 

بعد هذا، بدأ موظف الهجرة في الاتصال برقم الهاتف الذي أعطيته إياه، ولم يجد إلا علبة الرسائل الصوتية. سألني لماذا لا يرد أحد، فأجبته بأنني لا أعرف، فطلب مني بطاقتي المهنية، وهو ما فعلت، وسألني ما إذا كانت عندي بطاقة ائتمان «فيزا»، فأعطيتها إياه، وبعد أن سجَّل رقمها طلب مني أن أعود إلى ركني، وكانت الجولة الثالثة التي دامت نصف ساعة أو أكثر.

 

حاولت بعدما تعبت أن أقترب منه لأستفسر عن الأمر، فنهرني وأمرني بالجلوس. وسارعت المترجمة إلى تنبيهي أنني إذا أردت أن أدخل إلى الولايات المتحدة فعليَّ أن أبقى منضبطا.

 

مرت الآن ساعتان تقريبا، عِيل فيهما صبري، فوقفت محتجا. وتحول احتجاجي إلى صراخ، وصراخي إلى هستيريا كنت أتحدث خلالها بمزيج من الفرنسية والعربية مع القليل من الكلمات التي أعرف بالإنجليزية، وبدأت أطلب طلبا واحدا بكل ما أوتيت من قوة، وهو أنني أريد أن أرجع إلى بلدي فورا وعلى أول طائرة.

 

ذهلت المترجمة الملونة، ووقف موظفو المكتب يُخزرجون وكأنهم مارينز أمام مقاتل عراقي، وتجمهر قلة من الناس كانوا بجانب هذا المكان اللعين. وبعد هنيهة جاء رجل بلباس غير رسمي وطلب مني أن أهدأ، وهو ما فعلت بعدما عرفت أن الرجل هو المسؤول عن مكتب الهجرة بالمطار.

 

بدأ معي هذا السيد من البداية، وطرح عليّ ذات الأسئلة، فانفجرت، فحذرني أنه إذا استمر هذا الوضع سيكون مجبرا على ترحيلي من حيث أتيت! فقلت للمترجمة الملونة أن تترجم له الآتي:

 

«إنني يا سيدي عربي مسلم، وأنا فخور بهذا. وأوراقي سليمة، والتأشيرة الموجودة على جواز سفري بها مدة صلاحية من 10 سنوات، وأنا صحفي، وكل المعلومات الضرورية أعطيتها لكم، وإذا أردتم معلومات جديدة غير مكرورة فافعلوا بسرعة بدل هذه الإهانات القاتلة وهذا الانتظار الجارح.

 

إنني سيدي لا أحب أمريكا فيما تقوم به خارج أراضيها، وهناك مواطنون أمريكيون لا يحبون هذا كذلك. ولكن، أعتقد أن أمريكا داخل حدودها هي أولا بلد قانون، فلماذا هذا الاستثناء؟ طبقوا القانون أو أرجعوني إلى بلدي، فقد شارفت على ثلاث ساعات من انتظار الذي قد يأتي أو لا يأتي، فهل سأظل مائة ساعة حتى تتكرموا علي بدخول الجنة»؟

 

ظل الرئيس صامتا، وطلب مني أن أذهب لأغسل وجهي ثم أعود، ففعلت، ولما عدت وجدت موظفا آخر أصبح مكلفا بملفي، وقد طلب مني أن أتبعه إلى مكان بداخل المكاتب، وتجنب أن يطرح معي الأسئلة التي سبق أن أجبت عنها، إلا أنه فتش حقائبي، مرة أخرى، وكانت هذه هي المرة الألف التي تفتش فيها هذه الحقائب، وبعدها جاءت مرحلة جديدة.

 

عليّ أن أترك عندهم بصماتي! مرحبا، تركناها، وعليّ أن أقبل أن تؤخذ لي صور. مرحبا، أخذت الصور، وبعدها ختم في جواز سفري مدة سماح بالإقامة تصل إلى ستة أشهر، وبشكل مفاجئ تراجع، وشطب الستة أشهر ليترك مدة إقامة محددة في شهر واحد.

 

أخذت الجواز والحقائب، ونبهتني المترجمة إلى أنه عليّ أن أخضع لتفتيش جديد بالجمارك! فقلت لها مرحبا، المهم أن أخرج من هذا المعتقل.

 

في الجمارك سألوني، وفتشوني، وكانت قواي قد خارت، وخرجت إلى ساحة المطار وأنا أقسم ألا أعود إلى هذا البلد اللعين.

 

والمضحك في كل هذه الحكاية هو أن مهمتي العامة والخاصة بهذا البلد لم تكن تتجاوز 48 ساعة!

 

أترك لكم التعليق، أما أنا فمتعب لأنني أكتب هذه الورقة بُعيد عودتي إلى بلادي، وهي كرامتي.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. صدر الدين

    سي نور الدين، تحياتي اولا و اشكرك عظيم الشكر على تناولك هذا الموضوع الذي يتفاداه كل من سافر الى الكشمار الامريكي، شخصيا سافرت الى كل القارات ما عدا تلك البلاد التي سمعت من مقربين و زملاء عن جحيم معاملات سلطات الهجرة في المطار فتفاديت الذهاب من الاساس. شكرا على مشاطرتكم عناء التجربة و دمتم في رعاية الله.

  2. أيمن المرابطي

    أشد من هذا يقع في مطارات دول عربية
    خذوا مطار المقهورة مثلا…
    أما خلف هذا البلد عند ملوك الطوائف
    فتؤخذ بصمات اليد وبصمة العين ولا يبقى سوى بصمة {الشم}

اترك تعليق