لا يا ابن العم.. لا نريد العودة

لا يا ابن العم، لا نريد أن نعود إلى بلاد الحافلات المهترئة مقابل الطائرات الخاصة، ولا إلى بلاد المنتجعات الخرافية مقابل مدن الصفيح، ولا إلى موعد لمريض السرطان في مشفى عمومي يصل إلى سنة، ولا إلى قسم بشبه مدرسة بلا مرحاض، يضم ست مستويات فيما تضم لائحة فوربس لأغنى أغنياء العالم مغاربة يزنون المليار وأكثر من المليار دولار

نور الدين مفتاح [email protected]

 

عشنا مساء الثلاثاء ساعة في الجحيم بعدما كنا قد أهدرنا أياما في انتظار ما سيجري بعد 10 يونيو. لقد اهتزت الأفئدة عندما تفجر الخبر الأول المتعلق بتمديد الحجر إلى غاية الأسبوع الأول من شهر غشت، واشتعلت النار في الأركان الأربعة للمملكة، والناس مذهولون وقد سقطت الكلمات من ضعفها عن حمل شعور الغضب العارم، وفي غمرة الذهول جاء الخبر الثاني كخرطوم إطفائي ليخفف من لهيب تاريخ غشت ويخفض العقوبة من شهرين إلى شهر طوارئ صحية نافذ. ورغم أن هبة أوكسجين مسحت الدوخة الأولى، فإن التساؤلات حول الدواعي ظلت قائمة، وصار الانتظار سيد الموقف إلى أن خرجت التفاصيل، وتم تقسيم المملكة إلى فسطاطين برقمين: واحد واثنين. وهنا استبدل المغاربة صدمتهم بالسخرية!

 

إنها سلاحنا الجميل ضد التردد والارتباك وألم الحال والأمل في الفكاك. لقد رأى المغاربة جل دول العالم وهي ترفع يد السلطوية المشروعة على الحريات من أجل الصحة العامة، ورأوا المواطنين في شرفات المقاهي والمطاعم البهية في أجل العواصم العالمية، وتبادلوا هذه الصور وكأنهم يرون لأول مرة أربعة أصدقاء يقتسمون الكؤوس ويتعاطون الحياة. وبما أن الجميع ظل يحمل صورة أخرى لرئيس الحكومة السيد سعد الدين العثماني وهو يشرح لهم بإسهاب قبل أسابيع كيف يمكن أن يقطعوا الوادي بأمان، وأن يضربوا بالمقص بلا ندم، فإنهم اعتقدوا اعتقادا يقينا بأن 10 يونيو ستكون آخر الأحزان. نعم إن الفيروس لن يختفي أبدا، إلا أننا لا يمكن أن نبقى هكذا حتى نختفي نحن ويبقى الفيروس. ولكن كل القرائن والتكهنات سقطت كما سقط الأمل، وبقي الحنين لحياة بيننا وبينها ثلاثة أشهر الآن.

 

إن الإجماع الذي كان في البلاد على الطريقة التي ولجت بها المملكة الحرب ضد الجائحة أصبح رمادا في زمن الخروج. لقد صفق أشد المعارضين للدخول كالعدل والإحسان والنهج وغيرهما، وفي الخروج تبرم من الطريقة حتى الرطب والمهادن وربما المحيط بدائرة القرار. والكارثة، بلا مبالغة في التوصيف، هي في التواصل. فهل من حق الحكومة أو لجنة التنسيق أو لجنة القيادة أن تترك الناس إلى حدود ساعات قبل انتهاء مدة الحجر والطوارئ، بدون بوصلة ولا تفاصيل ولا تبريرات، وكأن المغاربة كانوا في حافلة تسير بسرعة الأيام وواجهتها الزجاجية مصبوغة بالأسود. هذه خيبات لمن كان يحلم في حجره الصحي بأن ما قبل كذا لن يكون كما بعد كذا، وأن كورونا لحظة مفصلية في تاريخ البشرية! كم هي ساخرة أحلامنا وكم هي عنيدة كوابيسنا!

 

النتيجة يا أبناء العم، أننا سنصبح في يد الله ووزارة الداخلية! وإيقاع الحياة هو قرار بيد العمال والولاة الذين ستصبح لهم نشرة جوية أسبوعية لنعرف هل سننتقل إلى القسم الأول كالنجباء، أم سنكرر في المستوى الثاني حيث لا تحرك إلا بورقة خروج، وحيث الحجر حي يرزق.

 

والغريب أن هذه المنطقة الثانية على صغرها جغرافيا، إلا أنها تضم 80 % تقريبا من حياة المملكة اقتصاديا وإداريا وبشريا، بمعنى أن الحجر مستمر بدرجة أكبر بكثير من كل الدول الأوروبية مثلا، على الرغم من أن مستوى تفشي الوباء في المغرب لا يرقى إلى درجة مدينة واحدة في بلد واحد شمال المتوسط، ورغم ذلك كان لنا قرار وكان لهم قرار.

 

إن هذا الكلام لا يعني أننا مع التهور أو الطيش، ولكن الحكمة تقتضي الموازنة بين الخطر والاحتياط. والواجب يقتضي الموازنة أيضا بين الحق في الحياة والحق في عيشها، وهذا هو التدبير الذي رأينا التدافع حوله في الدول الديمقراطية بشكل متواصل وكثيف أحيانا، ولم نره هنا إلا لماما، لأننا مازلنا في منطق الدولة الراعية، وهذا قد يكون مفيدا في بعض الأزمات إلا أن الأصل والفصل هو دولة المؤسسات الديموقراطية، وإذا كان من دعاء نطلب أن يستجاب فهو أن نخرج من هذا المسلسل من الانتقالات اللامتناهية، أي من الانتقال الديموقراطي إلى الانتقال الطوارئي، فالمغاربة يستحقون أكثر.

 

إن العبد الضعيف لله ليس واهما، وأعرف أن أسلوب الحياة في الفضاء العام لن يعود كما كان، إلا بشرطين، الأول أن يوجد لقاح فعال للكوفيد 19 وهذا صرفت عليه القوى الكبرى لحد الآن أكثر من 1000 مليار دولار (ميزانية المغرب لمدة عشرين سنة) والشرط الثاني ألا تكون هناك طفرة في الفيروس أو فيروس آخر لا قدر الله. وبما أن أكثر المتفائلين لا يعتقد بالنجاح في إيجاد لقاح إلا في غضون السنة المقبلة، فإن العالم سيعيش دائما، ليس بالتباعد ولكن بالخوف أيضا، وهذا هو المؤلم والمحزن في آن. وبالطبع، بعد إيجاد اللقاح ووصوله إلى المغرب ضمن الدول الفقيرة، فسنبقى تحت رحمة الرب، لأن ما عاشه العالم إذا تكرر فلا أعتقد أننا سنتجنب مصافحة الانهيار.

 

ورغم كل هذه الحقائق المفزعة، فإن العالم بدأ ينحت تصورا للتعايش مع أخطار هذا الفيروس وغيره، لا يكون قاسيا على الناس. يجب أن نستعد بشكل دائم لاقتصاد الأزمات والمجتمع التضامني، ولإيجاد متنفس للحياة في أصعب اللحظات، ولذلك رأينا أنه في الكثير من الدول بنوا إستراتيجياتهم المستقبلية على ألا حجرا صارما في المرة القادمة في مواجهة أي فيروس. فقد تعلمنا أن نحيا مع أكبر الأخطار، والشجاعة غدا ستكون هي الخروج المسؤول بدل القعود الآمن في البيوت.

 

في بلادنا حيث نعيش واقعا ونتغنى بواقع آخر، أتمنى أن نقرأ الدرس جيدا. لقد ولى زمن البريكولاج، وحان وقت الرحيل بالنسبة للنخب الفاسدة التي تلبس لبوس الورع، وتجعل من النفاق ميثاقا للأخلاق، وتتربص بالنزهاء وما أكثرهم وما أشقاهم، وهم يرون هذه الواجهة التي امتلأت بالمدعين لا هم أنجزوا ولا هم تركوا من ينجز. كثيرون بالآلاف منسحبون أو اختاروا الحجر الطوعي قبل الجائحة لأنهم ترفعوا عن أن يشاركوا في هذه الجريمة التي زعزعت القطاع العام، وأضعفت الإدارة وأفقرت الناس وعمقت الفوارق وقضت على الثقافة أو تكاد، وعلى الصحافة والمدرسة العمومية والمستشفى العمومي ، وعلى كرامة المواطن المقهور.

 

نحن بلد نجح في الإبهار بالبنى التحتية ولكننا بلد الإقصاء للبنية التحتية المجتمعية، وهناك من يحلم بحسن نية بأن نعود إلى زمن ما قبل الجائحة! لا يا ابن العم، لا نريد أن نعود إلى بلاد الحافلات المهترئة مقابل الطائرات الخاصة، ولا إلى بلاد المنتجعات الخرافية مقابل مدن الصفيح، ولا إلى موعد لمريض السرطان في مشفى عمومي يصل إلى سنة، ولا إلى قسم بشبه مدرسة بلا مرحاض، يضم ست مستويات فيما تضم لائحة فوربس لأغنى أغنياء العالم مغاربة يزنون المليار وأكثر من المليار دولار.

 

نحن لا ندعو للشيوعية ولا ندين الأغنياء، ولكن نعتقد أن شكل هذا الفقر في بلادنا غير طبيعي، وغير منطقي، وإذا أردنا أن تكون هناك طبقات فلا بد أن يكون للعتبة كرامة وللسقف منطق. أما إذا اختلت الموازين فسنظل دائما في الفرج كما في الأزمات نجعل فئة واحدة تؤدي الثمن، ومع توالي الاختلالات ترتفع كلفة الانتماء لوطن لا حل أمامه إلا بأن يستقيل فيه الجزء المتعفن ليستقل الجميع. فبالفيروس أو بغير الفيروس ليس هناك لقاح إلا بالإصلاح.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. القمري

    الصحفيون كثيرا ما يبالغون ويحولون الواقع الى ماساة في عقولهم حتى تسعفهم الكلمات على التعبير

اترك تعليق