سيرة رجل كبير في زمن الصغار

هذا رجل أخذ حزبا متصدعا، وصارع القصر والتزوير وحلفاء ليسوا كالحلفاء، وصارع داخل المكتب السياسي وانقلبت عليه النقابة والشبيبة والفقيه. ودخل في مغامرة أو مقامرة وصفها هو نفسه بالخطرة، في تناوب توافقي كان الحسن الثاني يمسك بكل تلابيبه، وانتهى بنوع من الخذلان بعد شكره سنة 2002 رغم تصدر حزبه للانتخابات. ولم يتحقق التناوب الديموقراطي كما كان يتصور، ولكنه غادر الحياة السياسية وأمهله القدر سبع سنوات ليرى ما جرى للحزب مما يشيب له الولدان، وكيف أصبحت الأرض تحفل بالساقطين في قعر بلا قرار، وبالانتهازيين في جشع ليس بعده إلا الدمار، ولم يبق من الرجال إلا القليلون المنزوون الباكون بدموع صامتة على واحد من آخر فرسان السياسة في البلاد. عزاؤنا واحد.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

هل كان خارقا؟ هل كان كاملا بلا كبوات؟ هل كان الخير كله وخصومه الشر كله؟ أبداً.. ففي تعقيدات دروب السياسة، كل الأحكام القطعية على الأشخاص تكون بالضرورة تعسفية إلا ما كان منها متعلقا بقياس نسبة الأخلاق في ممارسة السياسة. فمن يكون خارج هذه الدائرة يسقط مباشرة في مزبلة التاريخ.

 

لم يكن عبد الرحمان اليوسفي ملاكا، ولكنه استطاع أن ينحت له صورة الرجل الاستثنائي، فلماذا يستطيع بعض الأشخاص فقط أن يتسللوا إلى دائرة الاستثناء؟ وما الذي يجعل اسما معينا يرتفع في المخيال الشعبي إلى درجة السمو، مع العلم أن هذا المخيال لا يباع ولا يشترى؟ وهل للتاريخ أبواب كبيرة طريقها معروفة ويمكن أن يتنافس عليها المتنافسون؟ وهل المجد محطة تتويج عملاقة أم فاكهة في قمة غامضة المسارات ومتشابكة المنعرجات كميتافيزيقا الروح؟

 

من السخرية الناطقة أن الذين يبلغون العلا لا يطرحون هذه الأسئلة الملغزة، بل إن الذين ينشغلون بهذه الاستفهامات والخرائط لا يصلون أبداً إلى حيث ينفصل المرء عن قبيلته ليصبح متمثلا للجميع، وملهما وكبيرا بما يعطي لا بما يملك.

 

لقد وصل السي عبد الرحمان إلى هذه المكانة التي يمكن لكل واحد أن ينسّبها حسب حساسيته وموقعه، وقربه أو بعده، واطلاعه على التاريخ وخصوصا غير المكتوب منه، إلا أن كل هذا التنسيب لا بد له من حد أدنى ليحصل الرجل على اعتراف أمّة وهذا الاعتراف هو بيت القصيد.

 

لم يكن السي عبد الرحمان في بداية الاستقلال هو الأول في صف القادة الكبار، بحكم من سبقوه كالمهدي بنبركة والفقيه البصري وعبد الرحيم بوعبيد، ولكنه كان معهم، وجاء بمشروعية الكفاح ضد المستعمر، وانخرط في الصراع مع القصر من أجل التحرر، إلا أن قدر المغرب لم يكن رحيما بحيث أن التطاحنات بين الوطنيين والخونة، وبين الوطنيين أنفسهم، وبين النظام والمعارضة، وبين تصدعات المعارضة نفسها، والتي كانت برأسين، واحد في الداخل يحاول التغيير من داخل المؤسسات، وواحد في الخارج يحاول قلب النظام، كلفتنا ستين سنة من الآلام والتضحيات وفرص الإصلاح الضائعة.

 

اعتقل السي عبد الرحمان اليوسفي أكثر من مرة وحوكم، ولكنه غادر عقب اختطاف المهدي بنبركة سنة 1965 ولم يعد إلا في سنة ثمانين. والغريب أن اليوسفي عاش في أكثر الزوايا إحراجاً، ما بين الخيار الثوري الذي رعاه الفقيه البصري في الجزائر وليبيا ومخيمات التدريب العسكري في الزبداني بسوريا، وبين اختيار استراتيجية النضال الديموقراطي الذي أقره المؤتمر الخامس للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975 بتقرير إيديولوجي كتبه المرحوم عمر بنجلون، وتقرير سياسي دبجه الراحل عبد الرحيم بوعبيد.

 

لا أحد يجادل في أن اليوسفي كان مقربا جدا من الفقيه البصري، بل ثائراً وفي نفس الوقت أرسل كلمة صوتية أذيعت في المؤتمر الخامس، وبقي له كرسي فارغ في المنصة كتعبير رمزي عن الحضور. هل كان الراحل يلعب على الحبلين؟ السياق العام لحزب حالم بمغرب آخر لا يسمح بمثل هذه التصنيفات، وليس سرا أن مدادا كثيرا سال حول علاقة الزعماء الاتحاديين، ليس فقط بالثوار ولكن أيضا بعناصر من الجيش في المحاولات الانقلابية الفاشلة، وعلى رأسهم أمقران. إلا أن الخطأ الجسيم الذي يمكن أن يسقط فيه المقلب لصفحات الماضي، هو أن يقرأ التاريخ خارج سياقاته، وأنا أعتقد بكل سذاجة أن المركب المصالحي الانتهازي هو الذي أجج نار العداوة بين القصر والاتحاد الاشتراكي، وأفشل كل محاولات انطلاق العمل الإصلاحي، خصوصا بعد إفشال محاولة عودة المهدي بنبركة ثم اغتياله ودمه بقي بين الاتحاديين وخصومهم، إلى أن انتهى التنظيم عمليا إلى ما آل إليه اليوم: ظِل لنفسه.

 

كنت شابا في جريدة «الاتحاد الاشتراكي» عندما توفي عبد الرحيم بوعبيد، وأنا شاهد على أن الاتحاديين كانوا يتوقعون جنازة مهيبة للراحل، إلا أن لا أحد منهم كان يتصورها بذلك الشكل الخرافي الذي أذهل العالم، فيضان بشري جله من المواطنين غير الاتحاديين تنظيميا، وعندما كان رأس الجنازة يطل على الشاطئ بباب مقبرة لعلو كان ذيلها في شارع محمد الخامس. كانت رسالة قوية للنظام من جهة، والذي كان قد فتح كتاب يوميات تهييء التناوب بشكل جدي، وكانت رسالة للحزب الذي وصلت صراعاته إلى أوجها، بأنه ليس ملكا لمكتبه السياسي ولا للجنته الإدارية ولا المركزية ولكنه كفكرة ملك للمغاربة جميعا.

 

هل كان عبد الرحيم بوعبيد ملاكا؟ أبداً. لقد كان معتدلا يقود حزبا مندفعا ويعرف القصر بشكل جيد، وقد تواجه مع الحسن الثاني إلا أن معركته مع إخوته كانت أقسى عليه، سواء ما كان يسمى بقيادة الخارج، أو خلافاته مع جزء من قيادة الداخل التي أفرزت انشقاق بن عمرو والراحل أحمد بنجلون لتأسيس حزب الطليعة. وبعد ذلك مع البيلدوزر نوبير الأموي الذي زلزل المؤتمر الخامس للاتحاد سنة 1989 لدرجة أننا يمكن أن نقول إن هذا المؤتمر أهان عبد الرحيم بوعبيد الذي انسحب إلى بيته، قبل أن يعود ليقضي سنتين أخريين على رأس تنظيم متصدع بين جناحي الرباط والدارالبيضاء، ثم يرحل ليحكم عليه المغاربة والتاريخ كواحد من الكبار، ببساطة لأنه لم يسع لذلك، ولأن الذي يرفع الإنسان فوق أخطاء التدبير السياسي هو التزام الأخلاق في السياسة وهذا ما جرى بالضبط مع السي عبد الرحمان اليوسفي.

 

لم يكن السي عبد الرحمان في الواجهة بعد أن دخل بداية الثمانينات، بل إنه لم يذهب للضوء حتى بعد اعتقال بوعبيد واليازغي ولحبابي سنة 1981 بسبب معارضتهم لقبول الحسن الثاني للاستفتاء على الصحراء، وظل يقود المعارك الحقوقية في الخارج، وعندما يدخل إلى بيته في الدارالبيضاء يتصل بمسؤولي الحزب في العاصمة الاقتصادية وعلى رأسهم آنذاك المحامي العفيف ذ. محمد كرم لتيسير عمله كحقوقي يرافع ضد القمع الذي يقوم به النظام. كان السي محمد اليازغي هو القابض على التنظيم، وكان هو المرشح لخلافة عبد الرحيم بوعبيد. والغريب أن بوعبيد ترك وصية مكتوبة تمت قراءتها في المكتب السياسي، بأن الكاتب الأول بعده هو اليازغي ونائبه هو السي عبد الرحمان، إلا أن شراسة الصراع بين اليازغي والأموي جعلت الموصى له يتنازل لليوسفي، والذي سيدخل انطلاقا من هذه اللحظة إلى عشر سنوات من حياته ستكون هي الأصخب والأصعب، والتي سيخرج منها بانكسار شخصي وإحباط سياسي، إلا أن ما لم يسع إليه الرجل أعطاه إياه المغاربة، وهو وسام الاعتراف بنظافة ذات اليد والتواضع وتكريس 70 سنة من الحياة للوطن، بحيث تبقى صوابية التقديرات أو شراسة المواجهات وحتى الأخطاء، مجرد تفاصيل في حياة مناضل كان أكبر ضحية من ضحايا كورونا اللعين في العالم، حيث حرم المغاربة من جنازة كجنازة بوعبيد كانت ستكون مسيرة من أجل الديموقراطية والتحرر. ولكن العزاء في أن هذا الطنجاوي الكتوم والنظيف اللسان والصبور والهادئ أمام الأهوال فاز في الدنيا، وعند ربه سيكون له خير الجزاء.

هذا رجل أخذ حزبا متصدعا، وصارع القصر والتزوير وحلفاء ليسوا كالحلفاء، وصارع داخل المكتب السياسي وانقلبت عليه النقابة والشبيبة والفقيه. ودخل في مغامرة أو مقامرة وصفها هو نفسه بالخطرة، في تناوب توافقي كان الحسن الثاني يمسك بكل تلابيبه، وانتهى بنوع من الخذلان بعد شكره سنة 2002 رغم تصدر حزبه للانتخابات. ولم يتحقق التناوب الديموقراطي كما كان يتصور، ولكنه غادر الحياة السياسية وأمهله القدر سبع سنوات ليرى ما جرى للحزب مما يشيب له الولدان، وكيف أصبحت الأرض تحفل بالساقطين في قعر بلا قرار، وبالانتهازيين في جشع ليس بعده إلا الدمار، ولم يبق من الرجال إلا القليلون المنزوون الباكون بدموع صامتة على واحد من آخر فرسان السياسة في البلاد. عزاؤنا واحد.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. الحسين الحكيم

    رحمة الله على الأب والفقيد والقدوة المشرفة للمغاربة المناضل السياسي الكبير عبد الرحمن اليوسفي .
    (اللهم ارحمه رحمة واسعه واغفر له يارب آمين )
    وكل الشكر والتقدير للكاتب نور الدين مفتاح .

  2. أيمن المرابطي

    قال نور الدين مفتاح:
    ” … إلا أن ما لم يسع إليه الرجل أعطاه إياه المغاربة، وهو وسام الاعتراف بنظافة ذات اليد”

    قلت:
    نعم هو كذلك
    وزيادة
    لكنه للأسف لم يجد في حزبه ولا في الحكومة صنوا يشاركه تلك{النظافة المطلقة نادرة الوجود}…
    كنت في 1988 في العشرينيات من عمري
    وكانت سياسة الخوصصة قد انطلقت قبل ذلك فأضحت معها مؤسسات الدولة توزع ريعا،مثل شركة سامير…
    ظننت أن حكومة 1988 ستغير ذلك بتحويل ملايير الخوصصة الى تنمية القطاعات الاجتماعية كبناء المستشفيات ورعاية المسنين و…والمنطلق بيع شركة اتصالات المغرب…
    لكن ظني خاب لما وجدت ملاييرها توزع على المناضلين وأشباههم ممن اعتبروا أنفسهم {منفيين }و{معارضين سابقين}و{سجناء}و مطرودين،القاسم الجامع بينهم{النضال ضد الحكم} الذي تحول الى {أصل تجاري} يغري بالثراء الوفير

    بالله عليكم يا من لهف ملايير الخوصصة آنذاك:
    أين كنتم قبل 1988؟

    كان ادريس البصري وقتها يتفرج منشرحا،فقد ولد له حزب جديد من المنتفعين

    واليوم بعد أن نفذت ملايير الخوصصة من أيدي من سلمت لهم ما هي النتيجة؟؟
    عدد ممن استفادوا منها يعاودون الكرة للمطالبة بالمزيد لأن باب الريع اذا فتح كثر {المناضلون} من أجله

اترك تعليق