اليوسفي: لهذا فضلت بقاء البصري في الحكومة

يحكي عبد الرحمن اليوسفي في مذكراته “أحاديث في ما جرى” وهي شهادة على حقبة مضت من التاريخ السياسي للمملكة، عن بعض من المواقف التي جمعته بأبرز الشخصيات في المغرب وعلاقته بهم ومن أشهرهم وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري.

وهكذا تحدث الراحل عن تعيينه في منصب الوزير الأول وموافقته على بقاء البصري وزيرا في الحكومة:

استقبلني المرحوم الحسن الثاني بالقصر الملكي بالرباط، يوم الأربعاء 4 فبراير 1998، ليعينني وزيرا أولا. و أكد لي قائلا: “إنني أقدر فيك كفاءتك و إخلاصك، و أعرف جيدا، منذ الاستقلال أنك لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار، ولكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب بذل الكثير من الجهد و والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام، حتى نكون مستعدين لولوج القرن الواحد و العشرين”.
وأنا على استعداد أن أضمن لك الاغلبية لمدة أربع سنوات، ولك أن تختار فريقك الحكومي كما تشاء، غير أنه ونظرا لأن مجلس الأمن اتخذ قرارا بإجراء استفتاء حول الصحراء قبل نهاية هذه السنة (أي 1998)، فإننا في هذه الحالة سنكون في حاجة لخبرة وزير الداخلية الحالي إدريس البصري، الذي أشرف على إدارة ملف أقاليمنا الجنوبية منذ 15 سنة، كما سأطلب من رئيس الحكومة الحالي السيد الفيلالي أن يتولى وزارة الشؤون الخارجية التي أشرف عليها منذ سنوات لنفس الأسباب، أما باقي الوزراء فأنا أنتظر اقتراحاتك”.

رحبت ببقاء الوزيرين المذكورين، ولم يثر معي جلالته مطلقا ما اصطلح عليه بوزراء السيادة، فاستقر رأيي على استمرار السيدين عمر عزيمان وزيرا للعدل و المرحوم العلوي المدغري وزيرا للأوقاف و الشؤون الإسلامية.

شكرت صاحب الجلالة على هذه الثقة و أكدت له استعدادي لتحمل هذه المسؤولية، و أن مناصب الوزارة لا تهمنا في حد ذاتها، بل الأساس هو مصلحة الوحدة الوطنية ومصلحة الشعب المغربي، ووضع بلادنا على سكة التقدم، وشكرته على استعداده لضمان الأغلبية للحكومة المقبلة لمدة أربع سنوات.
غير أنني أكدت، أنه لدينا التزام مع أعضاء الكتلة الديمقراطية، مع الأخذ بعين الاعتبار تشكيل أغلبية داخل مجلس النواب مع الأحزاب التي صوتت لعبد الواحد الراضي رئيسا لهذا المجلس، وعلينا الاستمرار في هذا التمرين الديمقراطي الذي أفرز أغلبية ومعارضة داخل مجلس النواب، و أكدت لجلالته أننا سنكون خلفه من أجل إخراج بلادنا إلى ما نتمناه جميعا لتلبية طموحات الشعب المغربي.

والحق، و أنا أمام ضميري، أصبحت مرتاحا عندما انتهت الاتصالات التي تلت تكليفي برئاسة حكومة التناوب، يوم 4 فبراير 1998، ولم يكن مصدر هذا الارتياح عدد المقاعد التي حصلنا عليها، مع حلفائنا في الكتلة الديمقراطية، رغم أنها تعبر عن حقيقة الخريطة السياسية بالمغرب، بل لقد كان ما لمسته من جلالته من عزم أكيد على إنجاح تجربة التناوب، كان هذا هو مصدر الارتياح.

فلقد حباني بالضمانات السياسية و الأخلاقية التي من شأنها أن تعطل المعول السلبي، لما اتسمت به الانتخابات ونتائجها ومما اشتكى منه الجميع، و أكثر من ذلك لمست، فيه ما يبعث الثقة و الاطمئنان في النفس، أن هناك قرارا حقيقيا من جلالته بالدخول في عملية إصلاح شاملة، تتدارك ما فات وتؤسس لما هو آت.

لقد كانت ثقة كبيرة وواعدة من ملك قرر أن يجعل من شعار “التناوب” لا مجرد تناوب أشخاص أو أحزاب، بل بداية مسيرة جديدة خصها جلالته بقسم خاص، قسم يوم 4 فبراير 1998، مسيرة إقرار وضعية مكانة أخرى، وضعية ديمقراطية تعتمد على برامج التنمية الشاملة بوتائر سريعة متوازنة.

هكذا، فالتناوب كما فهمناه وقبلنا به تحمل المسؤولية الحكومية في إطاره ومن أجل إنجازه، هو التناوب بين وضعيتين، وضعية الأربعين سنة السابقة له، ووضعية بديلة يتم بناؤها بدعم من الملك ودعم من الشعب ومساندة برلمانية كافية، ووضعية دولة الحق و القانون و المؤسسات، في إطار ملكية دستورية ديمقراطية و اجتماعية مبنية على أساس التوازن في الحكم و القرار.

لتشكيل الحكومة، كان علي أن أنتظر ما سيسفر عليه مؤتمر الاستقلال الذي سبق أن عقد مؤتمرا استثنائيا بعد الاعلان على نتائج الانتخابات التشريعية التي وضعته في الصف الخامس، حيث حصل على 32 نائبا في الوقت الذي احتل فيها المراتب الأولى في الانتخابات المحلية، البلدية و القريوية، واعتبر حزب الاستقلال أنه كان ضحية للتزوير واتخذ في هذا المؤتمر الاستثنائي، قرارا بعدم المشاركة في جميع المؤسسات التي ستسفر عنها هذه الانتخابات.

وكان يلزمني فتح الحوار مع قيادته الذي توج بتمكيني من أخذ الكلمة في مؤتمره العادي لتجديد هياكله وانتخاب أمين عام جديد و المشاركة في الحكومة في إطار مراجعة موقفه السابق، وكان ذلك حدثا سياسيا هاما.

كان علي أيضا فتح مفاوضات مع الأحزاب التي برزت كأغلبية في انتخاب عبد الواحد الراضي رئيسا للبرلمان، الذي رشحته فرق الكتلة الديمقراطية كمرشح مشترك لينافس مرشح الأغلبية السابقة السيد امحند العنصر.

أثناء فترة الاستشارات الطويلة، اجتمعت مع المرحوم الحسن الثاني حوالي أربع مرات، كنت أنوي في البداية تأسيس حكومة لا يتجاوز أعضائها 18 إلى 20 وزيرا، تشتغل على قطاعات كبرى، غير أن تعدد أحزاب الأغلبية السبعة، و انفتاح شهية الاستوزار لدى الجميع حالت دون ذلك.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. عمر

    كاين شي حزاق بحالك مفهمتي حتى شنو كال وكالس كتخرا غير بوحدك

  2. جواد

    رحم الله الفقيد وجزاه عن ما اسداه الي هدا الوطن الحبيب.

  3. احمد

    يتسائل المتدخل لماذا لم يتطور المغرب في عهد السي عبدالرحمان اليوسفي ليصير كالمانيا اجيبك اخي ان اليوسفي مكانش معاه ساروت 10 اللي ميفهمش في سياسة عليه بقرائة تاريخ بلاده قبل ما يحل فمه

اترك تعليق