صلوات في زمن الجائحة

“استقيموا واعتدلوا وتراصوا وحاذوا بين المناكب والأقدام، وأكملوا الصفوف ولينوا بين أيدي إخوانكم”.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

 

“استقيموا واعتدلوا وتراصوا وحاذوا بين المناكب والأقدام، وأكملوا الصفوف ولينوا بين أيدي إخوانكم”.

 

لقد افتقد ملايين الناس هذه العبارات التي تخرج متوهجة من لسان إمام يتأهب لإدخال المصلين إلى لقاء ربهم، لعبادته ومناجاته وحمده ودعائه، في مناسبات استثنائية هي تراويح رمضان وليلة القدر وصلاة العيد. ولكن للضرورة أحكاما، فالله وهبنا الحياة لنحافظ عليها، وحفظ النفس هو أول العبادات. لقد حرمت الجائحة المؤمنين من لذة الخشوع ورهبة الخضوع في إطار الجماعة، وحرمت الجميع من الإيقاع الطبيعي للحياة، فهل من فرج قريب؟

 

الملايين الذين تابعوا السيد رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، كانوا متأكدين من أن الحجر سيكتب له تمديد جديد، ولكنهم كانوا ينتظرون المفاجأة. وللأسف، لم يأت إلا المتوقع، بحيث أغرق العثماني جملة واحدة في آلاف الكلمات والحكايات الشخصية والقرارات والأمثال الشعبية، ليصدر الحكم بالإبقاء على حالة الطوارئ الصحية لثلاثة أسابيع أخرى. إنه امتحان جماعي جديد في نظره، وإن دخول الحجر الصحي أصعب من الخروج منه، وإن الوضعية الوبائية غير مطمئنة.

 

إن المغاربة الذين يتابعون ما يجري في العالم يستغربون كيف أن دولا لا يمكن مقارنتها مع المغرب في كل المؤشرات، من إصابات ووفيات وتكاثر للعدوى، أقدمت على رفع الحجر التدرجي، في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا خصوصا، بل إن هذه الدول تعرف مظاهرات ضد حكوماتها للمزيد من حرية الحركة. وبدون مبالغة، قد يكون المغرب من دول الصدارة في العالم من حيث مدة حالة الطوارئ المتصلة، والتي ستبلغ ثلاثة أشهر إلا أسبوعا واحدا في 10 يونيو المقبل. والغريب أن لا شيء مضمون مادامت المنهجية الواضحة للمغرب هي الصرامة القصوى. ففي 9 يونيو المقبل إذا سجلت بؤرة جديدة تمخضت عن إصابة 200 حالة مؤكدة لا قدر الله، فلن يكون القرار إلا التمديد من جديد. وهذا مكلف اقتصاديا، أولا لأن البلاد ستكون على حافة الإفلاس، خصوصا أمام الأرقام الفلكية التي قدمها وزير المالية السيد محمد بنشعبون أمام البرلمان، بحيث أن يوما واحدا من الحجر الصحي يكلف البلاد 100 مليار سنتيم!! وأما من الناحية الاجتماعية والنفسية فلا عنوان إلا القساوة والاحتقان.

 

لنتأمل بعض الأرقام التي يمكن أن تدخلنا إلى عذابات ملايين البيوت، فأزيد من أربعة ملايين أسرة استفادت من التعويض في إطار ما سمي بدعم المتضررين المنتمين إلى الاقتصاد غير المهيكل. هؤلاء “البدون” إذن يتجاوز تعدادهم في المملكة 12 مليون مواطن ومواطنة، يعيشون تحت عتبة الفقر، وعليهم أن يتدبروا أمورهم بما معدله 1000 درهم في الشهر!!

 

هؤلاء المهملون من دورة التنمية في البلاد لعقود محجورون مع أبنائهم إما في براريك قصدير أو دور آيلة للسقوط، أو متكدسون في أحياء قديمة، وكثيرون منهم يعيشون في غرفة واحدة بلا مطبخ ولا مرحاض خاص. وها هي مندوبية السيد الحليمي تقول إن جلهم ليست لديهم حتى إمكانيات شراء مواد التعقيم. ومن سيعقم ماذا؟ يا رب لطفك!

 

هؤلاء المغاربة هم الذين يوجدون بين فكي وحش خرافي، أنياب الحاجة وضيق المساحة والنفس وقصر ذات اليد في الداخل، وتهديدات الفيروس الفتاك في الخارج. وإذا أضفنا إلى هذا بعض التجاوزات السلطوية التي أخرجت “مسيرة الجوع” في زحيليكَة أو “مسيرة الحكرة” في ورزازات، فإننا سنكون إزاء براميل معاناة لا تقدم لنا في الغالب من طرف أصحاب الياقات البيضاء، إلا كأرقام بلا روح ولا وجل ولا خجل.

 

من هنا يمكن أن نفهم هذه المفارقة بيننا وبين الضفة الشمالية من المتوسط، فالصرامة المغربية في تدبير الجائحة تأتي على قدر الهشاشة العامة، إننا لا نتوفر على إمكانية الموازنة بين درء الخطر وتيسير الحياة على الناس. فنظامنا الصحي كان يبلغ من الضعف ما يمكن به أن يسقط بسهولة بأقل بكثير من الإصابات التي سجلت في أوروبا وأمريكا وآسيا. وليست الملياري درهم التي تم ضخها في هذا القطاع هي التي ستحييه من سقمه! وإمكانياتنا لن تسمح لنا بتعميم الكشف المخبري، فنحن لسنا كوريا الجنوبية التي تكشف على الناس في الشوارع والبيوت والمعامل، ولم تحتج عموما إلى أي حجر صحي.

 

وإذا كنا في شهرين ونيف قد وصلنا إلى ما يزيد شيئا ما عن 100 ألف كشف، فهذا هو معدل الكشف خلال يومين فقط في بلد كألمانيا. إن تعميم الكشف في المغرب قد يتطلب 7 ملايير دولار، ومع الاضطرار لتكراره، فإن تحمل هذا يعتبر من سابع المستحيلات ولذلك نصرفه طوارئ وحجرا.

 

لم يكونوا منصفين أولئك الذين استهجنوا تكهنات دراسة المندوبية السامية للتخطيط، من أنه بدون حجر كانت الإصابات بفيروس كورونا في المغرب ستصل إلى 17 مليونا في 100 يوم! فمع أعطابنا المتراكمة، كانت أسوأ الاحتمالات واردة، واسمحوا لي أن أكون متشائما لأقول أن لا شيء محسوم. وحتى عندما سترفع حالة الحجر الصحي والطوارئ، فإننا بالنظر لكل الظروف التي رسمت بعضها آنفا، سنكون كمن يخرج بآلاف السيارات بدون فرامل، وبدلا منها لدينا ثقبتان أسفل الأرجل، سنحاول عند كل محطة أن نخرج منهما أحذيتنا المطاطية كي نتوقف! ولنا أن نتصور كم من حادثة مميتة سوف تقع إذا لم يلطف بنا الله، فرحمتك يا رب!

 

كيف سنخرج إذن إلى هذا الفضاء العام المحفوف بكل هذه المخاطر؟ من سيخرج بعد رفع حالة الطوارئ ومن سيبقى؟ هل ستعود الثقافة والصحافة والمقهى والمطعم والملعب؟ بأي شروط سنسير في الشوارع وننتشر في الأسواق؟ كيف سنستعمل النقل العمومي وبأي ثمن إذا طبقت عليه شروط التباعد؟ ومتى سيسافر الناس بين المدن أو إلى الخارج؟ متى ستذهب مغربية أو مغربي إلى الحمام الشعبي؟ وهل من عطلة في غشت؟ هذه هي الأسئلة التي تناقش منذ أسابيع في كل الدول الغربية، فلماذا تغيب هنا بحيث لا يحضر إلا نقاش المقدم والقايد وكراطين المساعدات الغذائية وخروقات الحجر وعدد المعتقلين أو المتابعين، وآلاف الشكاوى ممن لم يتوصلوا بإعانتهم الحكومية على هزالتها؟

 

إن الأكثر إيلاما من كل ما سلف، هو أن ما ندبره اليوم على أساس أنه عابر كغيمة، هو مرحلة جديدة في تاريخ البشرية كتب لنا أن نعيشها بكل كوابيسها وأهوالها التي ترتجف لها القلوب. فلننصت إلى رجل كلف منذ مارس الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية بالبحث عن نموذج للتعايش مع الفيروس دون إغلاق الاقتصاد، وهو بول رومر الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 2018: “أكثر شيء أتخوف منه هو أن يعتقد الناس أننا سنعود إلى الحياة العادية. لن نعود للوضع الطبيعي أبدا، ولن نرى تعافيا اقتصاديا دون تبني إستراتيجية للتعامل بمصداقية مع اللايقين والخوف. فالركود الاقتصادي إذا طال سيكون كارثيا على المواطنين الذين سيفقدون مداخيلهم وبيوتهم، وسيعانون الجوع. لكن الركود سيكون كذلك دراميا على الدول لأنه سيزيد من حدة الفوارق الاجتماعية، وسيدمر الأنظمة السياسية وسيادة القانون”.

قد لا يكرر إمام المسجد توجيهاته للمصلين، وقد يغيرها بنصائح احترام التباعد. ولكن الوطن اليوم يجب أن يكون إمام أولي الأمر يقول لهم: استقيموا واعدلوا وتواضعوا واقتسموا وكرموا ولا تهينوا وإلا فسيغرق الجميع. وعيدكم مبارك سعيد.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق