•   تابعونا على :

التحولات الـ 14 الجدرية في حكم محمد السادس

الأيام 242016/08/03 13:38
التحولات الـ 14 الجدرية في حكم محمد السادس
محمد السادس

لطالما شكل عيد العرش، الذي خلد المغاربة قبل أيام ذكراه الـ 17 فرصة من أجل استعراض حصيلة المنجزات التي انخرط فيها المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس، منذ أن خلف والده الراحل  يوم 23 يوليوز 1999.


وقد عرفت فترة حكم الملك محمد السادس تحولات جدرية مقارنة بوالده الراحل، نجردها لقرائنا في "الأيام 24"، حتى نربط بين الماضي و الحاضر، في انتظار مستقبل أكثر إشراقا.

 

تجديد النخبة ورجال محمد السادس

 

لكل مرحلة رجالاتها، لهذا اختار محمد السادس أن يكون له رجالاته الخاصون الذين يرافقونه في تدبير الشأن العام، في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والدينية، النخبة التي اختارها محمد السادس لتعمل إلى جانبه غالبيتها جديدة لم تكن تلعب أي دور في مرحلة السابقة، وهي نخب في غالبها يبدو عليها أنها غير متأثرة بمخلفات المرحلة السابقة وتحمل قيما جديدة تتوخى القطع مع آليات التدبير القديمة في ظل الاستمرارية.


يأتي في مقدمة رجالات محمد السادس أصدقاء الدراسة، الذين سيتبوؤون مكانة متقدمة في تدبير الشأن العام، على رأسهم فؤاد عالي الهمة الذي أسس حزب الأصالة والمعاصرة، في محاولة لجعله ذراعا سياسيا للدولة، لكن التطورات الإقليمية التي عرفتها المنطقة العربية بسبب الحراك العربي، وظهور حركة 20 فبراير، سترغم صديق الملك على تقديم استقالته من هذا المولود وتعيينه مستشارا. ثاني رجالات محمد السادس هو منير الماجدي المكلف بتدبير الثروة الملكية، وعلى المستوى الأمني والعسكري فقد تم تعيين ياسين المنصوري بصفته أول مدني عل رأس أكبر جهاز استخباراتي عسكري «لادجيد».


إنهــــاء أم الــــوزارات

 

نونبر 1999 جسد فيه أول حدث لإنهاء عهد أم الوزارات وزارة الداخلية، من خلال إبعاد الرجل القوي في تلك الفترة الراحل إدريس البصري، الذي بقي في هذا المنصب أكثر من عشرين سنة، وجسد هذا الإبعاد أهم تحول في سياسة الملك محمد السادس الوارث الجديد لعرش العلويين، كما شكل هذا الإبعاد مقدمة للتحولات التي ستطرأ على بنية ممارسة السلطة بالمغرب.


ولم يكتف محمد السادس بإقالة إدريس البصري الذي كان لوحده مؤسسة قائمة الذات، ولكنه حرص على التدرج في تجاوز الهالة المحيطة بوزارة الداخلية وبوزير الداخلية أيضا، وعلى الرغم من أن الملك احتفظ لمدة طويلة بصديق دراسته فؤاد عالي الهمة كوزير منتدب في الداخلية، فإن وزراء الداخلية المتعاقبين كانت لهم سير ذاتية بعيدة عن المجال الأمني، ومنهم الراحل مصطفى الساهل وإدريس جطو وشكيب بنموسى وغيرهم، إلى أن وصلنا بعد  دستور 2011 إلى الإشراف على وزارة الداخلية من طرف شخصية حزبية مجسدة في الأمين العام للحركة الشعبية امحند العنصر، وهو شيء لم يحصل في تاريخ المغرب المستقل إلا في فجر الاستقلال.


وضع حد لهيمنة وزارة الداخلية كان أحد شروط مكونات أحزاب الكتلة من أجل المشاركة في حكومة التناوب التوافقي، الراحل الحسن الثاني تشبث بوجود وزير الداخلية الراحل إدريس البصري وحرص على تضمينه ضمن النسخة الأولى من حكومة عبد الرحمان اليوسفي، قبل أن يطيح به أول تعديل حكومي يجريه الملك محمد السادس على هذه الحكومة، وينهي بذلك عقودا من الزمن كانت فيها وزارة الداخلية هي الفاعل رقم واحد في المجال الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.


الجيش: تمدين المخابرات العسكرية

 

لم يعمل محمد السادس على إعادة وزارة الدفاع بنفس الاختصاصات التي كانت لها قبل المحاولتين الانقلابيتين لسنتي 1971 و1972، وحتى عندما تم تحرير أول دستور على عهد الملك الجديد  سنة 2011، ظل المجال العسكري مجالا حصريا للقائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية رئيس الدولة وملك البلاد دون أن يثير ذلك أي اعتراض لدى الطبقة السياسية.


وفي نفس الوقت الذي حافظ فيه الملك على رموز جينرالات الحسن الثاني، بحيث بقي الجينرال بناني في منصبه كمفتش عام للقوات المسلحة الملكية وقائد للمنطقة الجنوبية والجينرال حسني بنسليمان كقائد للدرك الملكي، فإن مئات الضباط من الجيل الجديد قد تمت ترقيتهم من كولونيل إلى كولونيل ماجور أو من هذه الرتبة الأخيرة إلى جينرال، كما تمت التضحية بالجينرال لعنيگري نظرا للهالة التي أحاطت به.


ولكن يبقى التحول الحاسم في مؤسسة الجيش هو إقدام الملك محمد السادس لأول مرة على تكليف عنصر مدني بقيادة المديرية العامة للوثائق والمستندات، التي تعتبر عصب الاستخبارات المغربية الخارجية، بحيث دخل زميل دراسة محمد السادس ياسين المنصوري إلى قلعة الجيش الملكي المنيعة ليباشر مهام ظلت منوطة بأصحاب النياشين.


ومن التحولات الكبرى في الجيش ما جرى ‎لأول مرة في تاريخ المغرب، حيث تمت المصادقة على قانون يضمن حماية العسكريين من المساءلة الجنائية وتمتيعهم بالحصانة، وقد أثار هذا القانون الكثير من الجدل بين الفرقاء والمعنيين، خاصة المادة السابعة التي اعترضت عليها هيئات واسعة من المجتمع الحقوقي المدني، وأطياف من الأحزاب السياسية كذلك، والتي تقول في بدايتها: «لا يسأل جنائيا العسكريون»، على اعتبار أنها مخالفة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وللدستور ولتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، لأنها تمنح حصانة مطلقة وتقر الإفلات من العقاب. قبل أن يتم تعويضها بعبارة «يتمتع العسكريون بحماية الدولة».

 

البروتوكول الملكي: أنـا هـو والـدي

 

لم تتغير طقوس البروتكول  الملكي بين عهدي الحسن الثاني ومحمد السادس، لكن على المستوى العملي، تظهر بين الفينة والأخرى مؤشرات وإشارات نحو التخفيف من المراسم المخزنية المرعية في الآونة الأخيرة.


حينما سئل محمد السادس من طرف مبعوث مجلة «باري ماتش» سنة 2004 عن البروتكول الملكي أجاب عاهل البلاد: «لقد أشيع كما لو أنني غيرت ما كان قائما بعض الشيء، وهذا خطأ، لأن الأسلوب مختلف، غير أن للبروتكول المغربي خصوصيته، وأنا حريص على المحافظة على دقته وعلى كل قواعده، إنه إرث ثمين».


الجواب بهذه الطريقة الحاسمة يؤكد أن الملك محمد السادس لا يرغب في إجراء أي تخفيف أو تغيير في المراسم المخزنية المرعية، خاصة حينما أضاف في نفس الجواب: «لقد ولدت وترعرعت ضمن هذه التقاليد البروتكولية، وهي تمثل جزءا لا يتجزأ من كياني، وخاصة من حياتي المهنية التي تظل هذه التقاليد مقرونة بها».


رسميا، لم يتغير في هذه الطقوس شيء على الرغم من بروز مظاهر نحو التخفيف منها، مثل ما حدث مع عامل تاوريرت مؤخرا حينما همس في أذنه محمد السادس حينما انحنى لدرجة الركوع، وهي نفس الإشارات التي تتواتر بين الفينة والأخرى، وتتماشى مع مطالب بحذف بعض المظاهر المتجاوزة، في سياق حفل الولاء للسنة الماضية الذي مرّ بسرعة بالمقارنة مع حفلات الولاء السابقة، وخاصة في عهد الحسن الثاني.


من ملك السلفية إلى ملك الصوفيَّة

 

طيلة فترة تدبير وزير الأوقاف السابق عبد الكبير العلوي المدغري للشأن الديني بالمغرب، لم يكن التوجه الصوفي يحظى بأي اهتمام من لدن هذه الوزارة، التي كانت تعتمد على أطر متشبعة بفكر سلفي،  استطاع التغلغل إلى مستويات متقدمة، بحيث أصبح له نفوذ في مختلف الجامعات المغربية التي تدرس العلوم الشرعية، كما عرف عهد المدغري توسعا كبيرا للتيار الوهابي داخل المجالس العلمية، لكن مباشرة بعد أول تعديل سيجريه الملك محمد السادس على وزارة الأوقاف وتكليف احمد التوفيق، أحد مريدي الطريقة البودشيشية، بهذه الوزارة، سيطرأ تغيير جذري على طبيعة التوجه الإيديولوجي التي تتميز بها الوزارة المكلفة بتديبر الشأن الديني للمغاربة، وصار التوجه الصوفي حاضرا بقوة سواء من خلال الاعتناء بالزوايا ومختلف الطرق الصوفية، أو إعادة الاعتبار للطريقة التيجانية، التي صار لها موعد سنوي دولي يجتمع خلاله مختلف مريدي هذه الطريقة الموزعين بعدد من الدول الإفريقية. الحضور الصوفي جاء على حساب تواري التوجه السلفي وانكماشه داخل المجالس العلمية، أيضا من خلال طبيعة البرامج الدينية التي تقدم في القنوات  التلفزية الرسمية.


في لقاء سيدي شيكر الذي ضم عدداً من المنتسبين إلى التصوف من أقطار العالم، سيوجه الملك محمد السادس رسالة يتحدث فيها عن هذا الركن، أي المقوم الصوفي في بلده وبالنسبة للمسلمين كذلك، كبعد من أبعاد الحياة الروحية للإسلام: «ولا شك أن في تجربتكم الموروثة من أجل تحقيق هذه الأهداف، ما يؤهلكم للعودة إلى الميدان الديني والتربوي والاجتماعي المنزه عن كل توظيف سياسي رخيص أو مغرض، متحلين بقيم التصوف الأصيل القائم على الجمع بين الورع والتقوى والاستقامة في السلوك، وبين العمل الخالص المنزه عن الأغراض الذاتية، سيما أن المجتمعات في عصرنا هذا قد أخذت في إعلاء كل قيم التجرد والتسامح، وفي الأخذ بعدد من مفاهيم الثقافة التي قامت عليها طريقتكم».

 

من ملك الصرامة الأسرية إلى ملك إنصاف المرأة

 

‎لقد تمكن المغرب من اجتياز أول امتحان ديموقراطي في عهد محمد السادس على قاعدة قانون الأسرة الجديد، وقد صفق الجميع في النهاية للمدونة التي جاءت كإشارة دالة على منطق وفلسفة ورؤية محمد السادس للمرأة والمجتمع، وستتأكد هذه المقاربة حينما أظهر عاهل البلاد زوجته الأميرة للاسلمى أمام الجميع.


وقد كانت ‎مدونة الأسرة أول ورش فتحه محمد السادس مباشرة بعد وصوله إلى الحكم، وتتذكرون كيف وضع مشروع إصلاح مدونة الأحوال الشخصية على المجلس الحكومي في عهد الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي، قائد سفينة التناوب، قبل أن تصل حرارتها إلى الشارع، وينقسم إلى نصفين، بين التيار الحداثي الديموقراطي المساند والداعم للخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، والتي تقترح آليات عديدة من ضمنها إصلاح جذري وتعديل شامل لمدونة الأحوال الشخصية، وتيار محافظ طالب بإلغاء الخطة بمقترحاتها المتضمة لاعتبارات دينية.


‎كان الشارع يغلي بقوة، وكان على حكومة التناوب أن تفصل وتحسم، ولكنها لم تستطع، ولذلك أزيل الملف من يدها بعد تدخل الملك، ووضع بيد لجنة استشارية برئاسة الأمين العام الأسبق لحزب الاستقلال، امحمد بوستة.


‎وستمضي شهور من العمل الداخلي والجدال الفكري الذي بلغ في بعض اللحظات إلى مستويات متشنجة، خاصة مع تواجد ممثلي التيارين في اللجنة ذاتها، ومع ذلك فقد كان نقاشا محصورا لم تكن شرارته تصل إلى الشارع.


‎الهدوء الذي دخله ملف إصلاح مدونة الأحوال الشخصية، بالإضافة إلى مسطرة التوفيق بين المواقف المتعارضة، هي التي جعلت خلاصات لجنة بوستة الاستشارية تحظى برضى جزء مهم من الهيئات التمثيلية للمجتمع، على الرغم من عدم اتفاق بعض رموز إسلاميي المؤسسات على بعض القضايا المدرجة في المدونة.

 

من ملك الخطابة إلى ملك الصورة

 

بعكس الطريقة التواصلية التي كان يعتمدها الملك الراحل الحسن الثاني في حديثه للأمة، هناك حرص من الملك محمد السادس على ألا يلقي أي خطاب إلا إذا كان مكتوبا، وتتميز هذه الخطب بالدقة والإيجاز.


المرة الوحيدة التي تحدث فيها الملك بدون القراءة من ورقة مكتوبة كانت عبارة عن تصريح أدلى به خلال زيارته للبيت الأبيض بأمريكا، حيث تحدث باللغة الإنجليزية.


لم تعد الكلمة هي الوسيلة الوحيدة للتواصل الملكي بل يتم توظيف الصورة بشكل كبير، من أجل تسويق صورة أفضل لشخص الملك، فهناك حرص على ظهور الملك بشكل مختلف عن الطريقة التي كان يظهر عليها والده الحسن الثاني، وقد صار من المألوف أن تلتقط لمحمد السادس صور مع مواطنين عاديين التقوه بالصدفة وهو يتسوق في أحد المتاجر الخاصة بالقرب من مقر إقامته بباريس. وقد سبق لمحمد السادس أن تحدث في حوار مع مجلة «باري ماتش» بكونه يتجول في بلده  ويتوجه حيثما يريد ووقتما يريد دون أدنى مشكل، وحتى بدون تعزيز الطاقم المكلف بالسهر على أمنه الخاص.


الصورة أكثر وقعا من الكلمات، لذلك كانت عبرها العديد من الرسائل التي أراد الملك توجيهها إلى المحيطين به. كما يتم توظيف الصورة للرد على الإشاعات التي تطلق بين الفينة والأخرى، من مثل الصورة المرفقة بهذا المقال التي وضعها صاحبها على الفايسبوك في تزامن مع إشاعات عن مرض الملك في رحلته الأخيرة لباريس التي استغرقت أكثر من شهر.

 

من ملك سنوات الرصاص إلى ملك  الانصاف والمصالحة


‎إذا حدث وتجاوز المغرب الرسمي جزءا مهما من القضايا الساخنة لملف سنوات الرصاص، فقد حدث ذلك في مملكة محمد السادس.


‎لقد قضى المغرب سنوات يلتف فيها على الحل العادل لقضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وفيما كانت الحركة الحقوقية المدنية وحلفاؤها من الأحزاب الوطنية والديموقراطية وذوي الحقوق من العائلات المكلومة تراكم تحركاتها ونضالاتها ومطالبها على طريق الحقيقة، كان رجالات الحسن الثاني يضعون أكياسا من الأحجار الإسمنتية الصلبة أمام قطار الإنصاف والمصالحة والحقيقة، والبداية كانت في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ووزارة الداخلية على عهد إدريس البصري تراقب الصغيرة والكبيرة، وتحصي أنفاس الملف وروحه وأهدافه النبيلة، فكانت النتيجة اللائحة الشهيرة لأسماء المختفين ومجهولي المصير تتضمن معطيات ناقصة ومبتورة، بل ومتناقضة.


‎مازلنا في عهد الحسن الثاني، والمنطق التجريبي يستمر وهذه المرة بصفة محتشمة، حينما أعلن عن لجنة التحكيم والتعويض، والتي ركزت على جوانب التعويض المادي، أكثر منه الكشف عن حقائق المختفين وتحديد المسؤوليات واعتذار الدولة ورسم خارطة الطريق لعدم التكرار.


‎سنة 2004 تحل، والحل الأكثر جرأة ينضج، وقطار هيئة الإنصاف والمصالحة ينطلق بقيادة إدريس بن زكري بعد خطاب ملكي رسم المحددات والآفاق، والمشوار نحو العدالة الانتقالية بما يعني الحقيقة أولا والمسؤوليات ثانية والتعويض ثالثا وتوصيات عدم تكرار مأساة الماضي رابعا، لكن لم تكن الطريق نحو هذه الأهداف مفروشة بالورود، وقد قضى هذا القطار الحقوقي مراحل فراغ كاد فيها يتوقف، أو على الأقل هذا هو الإحساس الذي بلغ للمعنيين والمهتمين، قبل أن تتوالى قطرات الأمل، حيث بدأ الكشف عن قبور بعض المختفين بمراكش وفاس وقلعة مگونة ثم الدار البيضاء التي عاشت ليلة تاريخية في الأيام الأخيرة من عمر الهيئة، حينما تم الكشف عن المقبرة الجماعية لضحايا الأحداث الجماعية 20 يونيو 1981.


‎لقد تمكن المغرب من طي جزء مهم من الماضي الأليم في قضايا حقوق الإنسان، وكان للحركة الحقوقية وذوي الحقوق والهيئات السياسية الديموقراطية دور أساسي في هذا الحسم التاريخي، والذي تزامن مع إرادة ملكية لإنهاء واحد من الملفات السوداء، وإن كانت ما تزال عشرات التوصيات المرتبطة بمستقبل البلاد، دستورية وسياسية وقضائية وأمنية… حبرا على الورق.

 

من ملك الاستفتاء إلى ملك الحكم الذاتي


لو طرح أحد قضية الحل الثالث أو الحكم الذاتي على عهد الحسن الثاني لاتهم بعدم الوطنية، ولكن الأمور بسياقاتها، وإذا كان الملك الراحل قد قاد المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء كحدث القرن وقبل الاستفتاء في نايروبي كقرار مثير للجدل، فإن عهد محمد السادس الذي يعرف خبايا ملف الصحراء بشكل جيد قد تميز بإبداع حل ثالث لم يعد شعارا ولكنه أصبح مشروعا مكتوبا حبرا على ورق تم عرضه على الأمم المتحدة وتم تبنيه كمقترح ذي مصداقية من طرف العواصم العالمية المؤثرة.


‎كل شيء تفجر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، حينما بدأ رفاق الولي السيد يستعدون لمواجهة جينرالات فرانكو، وبدل أن تقدم لهم يد المساعدة، كان أوفقير وكان الدم فكان الشرخ، حيث ارتمت جبهة البوليساريو في أحضان الجزائر، وانطلقت المواجهات العسكرية لحوالي عقدين، وعقود أخرى من المواجهات السياسية الديبلوماسية في ردهات الأمم المتحدة.


‎ستظل الجزائر واحدة من العراقيل الكبرى في وجه القضية المفتعلة، وهي التي ستقترح اقتسام الصحراء في نفس الوقت الذي تقدم فيه المغرب بمقترح الحكم الذاتي، والذي لا يزيل الطابع السيادي الوطني للأقاليم الصحراوية، مقابل التنازل عن تدبير شؤون المنطقة اقتصاديا واجتماعيا وماليا لسكانها  ومؤسساتها التشريعية والحكومية والقضائية والأمنية المحلية، لكن إلى جانب الجزائر ستظهر ثغرات داخلية في تدبير قضية الصحراء، لم يتم تجاوزها على الرغم من الكثير من الاستراتيجيات المؤسساتية المختلفة، كان آخرها تنصيب المجلس الاستشاري الملكي للشؤون الصحراوية، والذي ظل مؤسسة بدون روح لا أثر لها ولا دور لها على مستوى تقريب وجهات النظر المتناثرة في الأقاليم الصحراوية، ولا في كسب ود مغاربة الصحراء على الرغم من استرجاع أرض الصحراء.

 

محمد السادس: عرشه على سيارته.. وطائرته

 

في تبرير لمحمد السادس لكثرة أسفاره وعدم تواجده الدائم بالعاصمة الرباط أجاب محاوره الصحفي من مجلة «باري ماتش» الفرنسية « الملك لم يكن يتواجد دائما في الرباط وحدها. وإنني أتذكر عندما كنت صغيرا أن والدي لم يقض بالرباط خلال إحدى السنوات سوى 18 يوما من أصل 365 يوما. لقد كان والدي رحمه الله يقول دائما إن عرش العلويين على صهوات جيادهم، وأنا لا أنوي التخلي عن هذا التقليد. وبالإضافة إلى ذلك فأنا أريد أن أطلع على الأمور ميدانيا بنفسي وأن أقف على واقع بلادي. فمدينة أكادير مثلا تحظى بكل اهتمامي. ومن المهم عدم تركيز السياحة في مراكش، لأن ذلك قد يؤدي إلى القضاء على مراكش وعلى السياحة في المغرب في الوقت نفسه».


عمليا مند اعتلاء محمد السادس لعرش أسلافه العلويين لم يتخل عن عادة ترحاله وتنقلاته الكثيرة سواء داخل المملكة أو خارجها. وهناك ثلاث فترات من السنة يتوارى فيها الملك محمد السادس عن الأنظار، الفترة الأولى تكون في ذروة فصل الشتاء، أي خلال شهر يناير، يتوجه فيها إلى جبال الألب حيث يمارس رياضته المفضلة المتمثلة في التزحلق على الجليد، ويمكث طيلة مقامه بفرنسا داخل مقر إقامته ببلدة بيتز التي تبعد عن العاصمة الفرنسية بحوالي 60 كلمترا. الفترة الثانية من السنة التي يخلد فيها الملك لبعض الراحة هي نهاية فصل الربيع، حيث يسافر فيها أيضا لخارج التراب الوطني وبالضبط لمقر إقامته بضاحية باريس. أما الفترة الثالثة من السنة التي لا تحتل فيها أنشطته صدارة أخبار القناة الرسمية فهي خلال ذروة فصل الصيف، حيث غالبية مرافق الدولة تعيش على إيقاع العطلة السنوية، حينها يتوجه الملك إلى مدن الشمال وبالضبط لمدينة المضيق، هذه المدينة التي التقطت له فيها الصورة الشهيرة وهو يمارس رياضة جيتسكي.

تعليقات الزوار ()