تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة

أوصانا الفقيه الإيطالي أنطونيو غرامشي رضي الله عنه أمام تشاؤم العقل بتفاؤل الإرادة، فالوقائع عنيدة وهي لا تبعث إلا على التشاؤم في إمكانية النهوض من جديد باقتصاد قوي ودولة عادلة وعدالة اجتماعية، إلا أن الذي يحرك التاريخ مع التشاؤم الموضوعي هو إرادة التغيير ودينامو هذه الإرادة هو التفاؤل.

نور الدين مفتاح [email protected]

أعترف أن الهلع قد انطفأ، ولكن الخوف مازال يطوف في أرجاء البيوت من هذا الفيروس الذي يحمل اسم “التاج” ظلما وعدوانا. وهو خوف بقدر ما يتضاءل بقدر ما يتعاظم الملل والضجر والسأم وقس وزاد. وحتى تلك المقامات الكورونية التي تضبط الإيقاع اليومي في حياتنا الآن بدأت تخفت. إنها الطبيعة البشرية، أكبر الكوارث يهدها الزمن، لم تعد لنشرة كورونا نفس الجاذبية ولا لتداعياتها الدولية. فطاقة الإنسان للحفاظ على الشعلة لقضية ما محدودة مهما عظمت ومهما استفحلت.

لقد دخل الشهر الثاني من الحجر بإحباط، أو لنقل إن الغالبية دخلته بغضب، وحتى أولئك الذين كنت أستمع لتبريراتهم عبر الهاتف بأن هذا الحجر الصحي نعمة، وأنه كان فرصة للتأمل والجلوس مع الذات، وقراءة ما مضى وتقييم ما فات، ومحاولة رسم طريق أخرى لحياة أفضل بعد نزول الستائر على الجائحة، كنت أعتبر أنهم يواسون أنفسهم في هذا المعتقل للتحايل على الضجر ولمراوغة الملل، فالإنسان خلق ليعيش الحياة في الخارج ويعود إلى البيت ليشحن كما تشحن الهواتف، ولم يخلق ليمكث مربوطا إلى “الشارجور” حتى إذا وصل إلى 100 % من الطاقة وركب رقم الحياة الاجتماعية تجيبه العلبة أن “خط مخاطبكم غير مشغل فالمرجو إعادة الاتصال لاحقا”!

هذا الشهر الإضافي في الاعتقال سيكون له طعم مرارة خاص، لأنه شهر حجر رمضاني استثنائي بكل المقاييس. هناك كثيرون حزانى للإجراءات الصارمة التي ستمنعهم من صلوات التراويح، وهناك من يصل به التطرف إلى اعتبار منع هذه الصلاة التي كانت تجمع الآلاف في كل مسجد بمثابة منع لفريضة، وهناك تطرف في الجهة المقابلة يعتبر أن الصيام مع أخطار الجائحة غير مستساغ. والواقع أن كل هذا مفهوم لأن وضع الناس في إطار غير طبيعي لأسباب وجيهة، وهي الحد من الفيروس التاجي، لابد أن يفجر هذه الانتفاضات في الفناجين. وأما التراويح فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يصليها بدون جماعة ولا طقوس كما نراها اليوم، ولم تصبح كذلك إلا مع الخليفة عمر بن الخطاب. وبما أن الفاروق ليس مصدرا للسنة، فإن أمر هذه الصلاة يبقى عادة أكثر منه عبادة. وأما الصيام فأمره محسوم مادام أنه مرفوع عن المريض أو من في حكمه، وبالتالي فالفتوى فيه تخرج من اختصاص أصحاب الطرابيش أو العمائم إلى اختصاص أصحاب الوزرات البيضاء، إذا قالوا نصوم صمنا، وإذا قالوا نفطر توكلنا على الله.

رمضان عبادة خاصة تلخصها ببلاغة كلمات الحديث القدسي “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به”. إلا أن رمضان مع توالي القرون أصبح في جزء كبير منه طقسا اجتماعيا أكثر منه واجبا دينيا. رمضان هو الصيام نعم، ولكنه شهر التسوق وفنون الطبخ بامتياز، وشهر أحسن الإنتاجات الدرامية في العالم الإسلامي، وشهر الفكاهة الحلوة والحامضة على السواء، وشهر المقاهي وشهر الليالي الطويلة خارج البيت والسهر إلى غبش الصبح، وشهر السمر مع الخلان وشهر الجلابيب والقشاشيب التي ستضطر هذه السنة إلى المكوث في مشاجبها، فالحكم بعد الله اليوم للـبيجاما.

هذا الرمضان الاجتماعي هو الذي سيؤلم الناس أكثر، لأن رمضان الديني ميسر مادام الله معنا يسمع نجوانا أينما كنا. فبقدر ما كانت ليالي رمضان قبل كورونا تمر بسرعة البرق بقدر ما ستجثم على الأنفاس ساعات قد يستهلك فيها الواحد منا قسطا وفيرا من الترويح والتراويح، ولكن سيفتقد كل هذا لنوع من السحر، فقهوة مع حبيب في شرفة المقهى ليست كقهوة في بيت قضيت فيه 40 يوما، وركعة على سجادة البيت ليست كركعة وراء القزابري وهو يتلو آيات بينات تارة على مقام النهاوند وتارة على مقام الحجاز وتارة أخرى على مقام الصبا الحزين الذي ينتزع الدموع من عيون المؤمنين.

عزاؤنا واحد! عزاؤنا هو أننا نقوم بواجب الحفاظ على أرواح إخواننا حتى لا نعديهم بالفيروس الخطير دون أن نكون على علم بأننا نحمله. عزاؤنا أننا ملتزمون بواجب الحفاظ على بلادنا لأن اكتساح الفيروس سيؤدي إلى انهيار منظومتنا الصحية ومن ورائها انهيار تماسكنا. عزاؤنا أننا نعاني من أجل قضية أكبر من الضجر والملل والسأم، إنها الحياة، وحياة بئيسة خير من موت فخم.

أقول هذا وأنا في محجري أفكر مثلكم في السؤال المؤرق: إلى متى؟! الله وحده يعلم لأنه حتى ملك البلاد لا يمكن أن يعلم الغيب، والقرارات تتخذ بناء على التطورات والتقارير العلمية. ولكن بالنسبة لنا هناك احتمالان، احتمال الانفجار الداخلي إذا طال الأمر واستفحل، واحتمال تعود السجين على سجنه، وكل نفس تتمنى اليوم ألا نضطر للتمديد مرة أخرى، حتى يكون العيد عيدين، ونفرج عن جلاليبنا وقفاطيننا على أنغام الغياط المغربية الأثيرة لنبدأ الحياة ما بعد كورونا ببهجة، آمين.

إن رفع الحجر الصحي لا يعني عودة الحياة إلى طبيعتها بسرعة، فعلينا في المغرب، حسب تقديرات شخصية، أن ننتظر شهر شتنبر مثلا لتعود الحياة للفضاءات العامة من فنادق ودور سينما وقاعات عرض ومقاهي ومهرجانات وملتقيات، وفتح كامل للمجالات الجوية والبحرية والأرضية، وكل هذا سيزيد اقتصاد البلد وجعا، وقد تكون نسبة النمو هذه السنة تحت الصفر، ولا محالة سوف تسجل أعلى نسبة لإفلاس الشركات في مختلف القطاعات، وستقفز أرقام البطالة وينكمش الاستثمار العام والخاص والخارجي.

سنعيش اقتصاديا في العناية المركزة، وكل الاحترازات التي تتخذ الآن هي من أجل تجنيبنا الدخول للإنعاش، ولكن بلدا كالمغرب بإمكانياته المحدودة سيخرج في أحسن الأحوال منهكا وسيضطر لصرف سنوات من أجل العودة إلى مجرد التوازنات.

قال صديقي المخلص إننا لا يجب أن نسقط في تمجيد الذات ولكن أيضا لا يجب أن نسقط في جلد الذات. قلت نعم، ولكن التقدم يتحقق بمواجهة النواقص والمواجهة تبدأ بعدم مراوغتها، وأولى المراوغات أننا ركبنا وهما أننا أصبحنا دولة صناعية وأننا أكبر مصدر للسيارات، وأننا ولجنا مجال صناعة الطائرات، وجاء كورونا فطار أصحاب الصناعات ولم تبق إلا لحية السيد حفيظ العلمي الذي كاد قبل كورونا أن يصبح الوزير مولاي حفيظ العالمي. أصحاب الصناعات جمعوا خيامهم وغادروا والعالمي يستبدل “رونو” بالكمامات. وبقدر ما نرى الملايين من هذه الكمامات في التلفزيون بقدر ما لا نرى إلا ملايين الباحثين عنها في شوارع المدن. إن التحليل العقلي لما نحن فيه سيعطينا لوحة سوداء، فهل نحن بحاجة لتقييم كل قطاع على حدة، إذا كنا قبل كورونا نعترف أن النموذج التنموي برمته فاشل؟ وكيف سننهض مع هذا الفشل بعد هذه الجائحة التي ضربتنا حتى زلزلت أركان المملكة؟

أوصانا الفقيه الإيطالي أنطونيو غرامشي رضي الله عنه أمام تشاؤم العقل بتفاؤل الإرادة، فالوقائع عنيدة وهي لا تبعث إلا على التشاؤم في إمكانية النهوض من جديد باقتصاد قوي ودولة عادلة وعدالة اجتماعية، إلا أن الذي يحرك التاريخ مع التشاؤم الموضوعي هو إرادة التغيير ودينامو هذه الإرادة هو التفاؤل.

ستنهض المملكة إذا تركنا الكذب على أنفسنا وأشهرنا شعار الحقيقة أولا والوطن للجميع. رمضان كريم.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق