كم كانت صغيرة معاركنا!

لنتأمل هذا المشهد: تختفي الإصابات الجديدة وترفع حالة الطوارئ ويعود التلاميذ إلى مدارسهم والآباء والأمهات إلى عملهم، وأول طائرة ستقلع من مطار محمد الخامس ستكون مملوءة عن آخرها بمغاربة يسرعون إلى فرنسا لتفقد شققهم وأرصدتهم وليزوروا عيادات أطبائهم، ويتنفسوا صعداء فكاكهم من الاحتجاز في بلادهم!

نور الدين مفتاح [email protected]

وسط كل هذا الرعب الذي ينشر أجنحته الخرافية على العالم، هناك فرصة وهبتها لنا هذه التجربة القاسية، وهي أن نخلو إلى أنفسنا ونجلس مع ذواتنا ونطرح أسئلة أعمق من أسئلة أيام الله العادية، أو لنقل إننا في الحجر الصحي أصبحنا مضطرين لمواجهة الأسئلة التي عادة ما نجيب عنها بالهروب منها. إنها مخاطرة، والامتحان يومي للناس في علاقتهم بواقعهم وبأسرهم وبانتمائهم، وبمدى أهمية أهدافهم التي يكرسون حياتهم للجري وراء تحقيقها.

وإذا كان التأمل هو منبع الإبداع، فإن التأمل في زمن الطوارئ والحظر ومنع التجول قد يتحول إلى كابوس. الفقير يمحص جيدا في فقره والمظلوم يقلب ظلمه والمتوسط يحصي خسائره والميسور يعيش رعب المجهول.

إن دفع الناس إلى سجن أنفسهم في بيوتهم إلى أجل قد يطول، لابد أن يولد انفجارات تبدأ من المناوشات الأسرية الصغيرة، إلى السخط على الأوضاع. إننا في كل البيوت في اجتماعات متزامنة ومتواصلة لنعيد تشكيل عالم ما بعد كورونا، ووعي الدولة بهذا البعد هو ما يجعلها تزاوج ما بين الاستنفار الصحي والاستنفار الأمني. وليس اعتباطا أن ينزل الجيش إلى الشوارع، فمحاربة جائحة كورونا هي حرب أيضا من أجل الاستقرار، خصوصا في بلدان الفوارق الاجتماعية الصارخة والدول الفقيرة التي تضم قلة قليلة من أغنى أغنياء العالم.

هذه هي الأسباب التي تجعلنا نقوم اليوم بمبادرات اجتماعية ظلت معلقة لسنوات بين الأهواء السياسية التي تبدو في هذا الزمن للجميع فارغة وتافهة. في أسبوع استطعنا أن نخلق آلية لإيصال المساعدات لفقراء المغرب، وإن كانت المبالغ المقررة للخارجين من الدورة الاقتصادية العادية ضعيفة، بمعدل 1000 درهم للأسرة، فإن درس كورونا هو أننا يمكن نطبق أكثر الإصلاحات خدمة للشعب إذا توفرت الإرادة. ها هو السجل الاجتماعي الذي أخذ سنوات من عمر البلاد يمشي على رجليه، ألم يكن 5 ملايين مغربي يستحقون أن نعطيهم جزءا من حقوقهم المهضومة؟

كما الأفراد في منازلهم يتأملون، فإن على الدولة أيضا أن تتأمل، وأن تطرح على نفسها الأسئلة التي تهرب منها باستمرار. أمام الموت المحدق بنا في الفضاء العام، ألا يسخر منا الزمان حين نرى كيف كنا نقيم مباريات التخوين والخوف من النخب الصادقة، والتماطل في الإصلاحات السياسية والتمكين للوصوليين بدعوى الولاء وتأييد الانتقال؟ ما الذي جرى في هذه البلاد حتى ضعفت الأحزاب واضمحلت النقابات وترهل المجتمع المدني وعلا صوت التفاهة والزعامات المفبركة؟.

هذه أسئلة استنكارية، والجواب معروف. وإذا كان هناك من درس يجب استخلاصه من كورونا، مهما كانت نتائج الحرب الضروس معها، فهو أن المغرب يستحق أحسن مما يعيشه، يستحق قسمة أكثر عدلا، ويستحق المواطنة والكرامة.

إن لجنة شكيب بنموسى التي أنيطت بها مهمة إعادة رسم طريق المملكة بعدما وصلت الأوضاع الاجتماعية إلى الطريق المسدود، لها اليوم حظوظ نبي مرسل من القدر لرسم معالم مغرب ما بعد الجائحة، وفي هذا الزمن الذي يمكن للمغاربة أن ينسوا فيه خصومتهم مع كل ما يأتي من المؤسسات الرسمية، هناك فرصة ذهبية قد تنبثق من محنة الوباء للتعبئة من أجل مملكة موحدة متضامنة، يعلو فيها القطاع العام على أي قطاع، وتكون فيها الأولوية للصحة العمومية والتعليم العمومي ومحاربة الفساد والمفسدين وإعطاء الكلمة للشعب بدل إعطائها لناهبيه.

لنتأمل هذا المشهد: تختفي الإصابات الجديدة وترفع حالة الطوارئ ويعود التلاميذ إلى مدارسهم والآباء والأمهات إلى عملهم، وأول طائرة ستقلع من مطار محمد الخامس ستكون مملوءة عن آخرها بمغاربة يسرعون إلى فرنسا لتفقد شققهم وأرصدتهم وليزوروا عيادات أطبائهم، ويتنفسوا صعداء فكاكهم من الاحتجاز في بلادهم!

هذا المشهد فاجعة على النموذج التنموي الجديد، وينبغي أن نعمل على القطع به مع فشلنا. يجب أن يمتلك المسؤول المغربي الوجه الذي يقول به في المستقبل إن لنا واحدا من أحسن قطاعات الصحة وعندنا واحد من أجود منظومات التعليم، وأن يتعلم الجميع بنفس الطريقة واللغة، وأن يعالج الأغنياء وأصحاب النفوذ هنا، فها هي الدنيا تبدو لنا صغيرة ونحن في محاجرنا، وليس أكبر منها إلا عمل من أجل الآخرين، وعمل من أجل الصالح العام وعمل من أجل المغاربة الذين يئنون.

وها نحن جالسون وكأن مكبر صوت مربوط إلى أجسامنا، نسمع كل عضو بترقب وكل سعلة تضع أمامنا قساوة مشهد العزل، ومعاناة الوصم بالفيروس اللعين، وكل رعشة تخرج صور الموتى بلا جنائز، والاحتضار بلا أحباب! كل هذه المأساة الإنسانية التي نعيشها اليوم مجتمعين عبر العالم، لابد أن تترجم غدا إلى موجة إنسانية كبرى تحطم تقديس الماديات وتعطي السياسة بعدا جديدا تكون فيه الصداقات هي الدائمة لا المصالح فقط، وتكون فيه بلادنا مملكة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق