نداء إنساني من أجل مواطنين في خطر

كتبت هذه الافتتاحية يوم الثلاثاء الماضي ونشرت في الايام الورقية الخميس.
ويوم الجمعة الفارط تم الإعلان عن إجراءات ملموسة بخصوص الفئة التي تحدثنا عنها في هذا النداء بتخصيص مبالغ مابين 800 و 1200 درهم العاملين بالقطاع غير الهيكلة أو من لم يعد لهم دخل.
مبادرة محمودة في انتظار تعزيزها وتقويتها وحسن تطبيقها.

نور الدين مفتاح [email protected]

ها نحن محجورين في بيوتنا ضد فيروس كورونا سيء الذكر. لقد تم حرماننا من واحد من حقوقنا الأساسية، وهو الحق في التنقل، إلا أن هذا الحرمان في هذه الظروف يعتبر فضيلة، بل إن استعمال قوة القانون لاحتجاز الناس في بيوتهم هو سياسة رشيدة للقيام بواجب وطني، والامتثال لذلك حركة مواطنة ومسؤولية اجتماعية عظمى. ولهذا لا تعتبر كل المحاولات التي جرت لخرق حالة الطوارئ الصحية في المغرب جريمة سيعاقب عليها القانون فقط، ولكنها خيانة وطنية، لأنها تضع حياة آلاف المواطنين في كف عفريت، خصوصا إذا عرفنا أن هذه المعركة ضد الجائحة هي معركة وجود بكل ما في الكلمة من معنى.

 

نحن باقون في بيوتنا، وهذا واجب سهل، ففي ظروف أخرى كان على المواطن ليلبي نداء الوطن أن يترك أهله وأحباءه، ويذهب إلى الجبهة وهو يفتح صدره للرصاص. كان النقيض هو أن يقوم الناس للمواجهة فيما يقول المتخاذلون إنا ها هنا قاعدون. أما اليوم، فإن غاية ما يطلبه الوطن هو القعود، وغاية ما تطلبه البشرية من كل فرد ليحافظ على الحياة على كوكبنا هو القعود، وغالبا ما يكون هذا المقام بالبيت مريحا، خصوصا وأن الأغلبية الساحقة مرتبطة ببعضها البعض عن طريق الأنترنيت لدرجة أن الإنسان الذي كان اجتماعيا بطبعه كما نعرف في أبجديات العلوم الإنسانية، أصبح انسانا تواصليا اجتماعيا بطبعه نسبة إلى منصات التواصل الفيسبوكية والتويترية وما جاورهما.

 

إذن، العزل الاجتماعي في البيوت لا نقاش فيه مهما كانت الظروف والسياقات، إلا أن الواجب يفرض علينا أن نطرح أوضاع فئة عريضة من المواطنين، قد أقول إنها الأغلبية في بلادنا. هذه الفئة توجد في كل المدن القديمة بالبلاد والأحياء الشعبية وأحياء الصفيح والأحياء العشوائية.

 

إن البقاء في البيت بالنسبة لهؤلاء المواطنين هو بالفعل تضحية، فالكثيرون يقطنون كأسرة في غرفة واحدة، وأكثر من أسرة تقتسم مرحاضا واحدا، ومع الازدحام، ترتفع حرارة الاحتكاك، ويصعب التعايش، ويصبح المواطن المغلوب أمام واقعه الذي كان يهرب منه كل صباح، ولا يعود للبيت إلا مساء كمحطة للنوم قبل المغادرة في اليوم الموالي وهكذا دواليك.

 

هؤلاء هم الذين كانوا يملؤون المقاهي التي أغلقت بقرار رسمي صائب، ليس من أجل الترفيه، بل لأن المقهى بالنسبة للآلاف كانت هي صالون البيت غير الموجود في البيت. ان هذا التشخيص ليس الغرض منه إيجاد مبررات لهؤلاء المغاربة من أجل التحلل من واجب الحجر، ولكنه تشخيص تضامن مع هذه الفئة الواسعة التي تقدم في هذه الظروف العصيبة تضحيات نفسية واجتماعية أكثر من غيرها، وهو تشخيص تنبيه لوضعية خطرة لابد من معالجتها لأن عواقبها ثقيلة إذا لم نتداركها.

 

إن أغلبية المواطنين في تلك الظروف الاجتماعية، لهم مهن هامشية أو يشتغلون في القطاع غير المهيكل، وأغلب هؤلاء غير منخرطين في الضمان الاجتماعي وعندما تقررت حالة الطوارئ الصحية، فإن آلاف الأسر أصبحت بدون دخل وبالتالي أصبحت تتحمل عبئين، عبء المكوث في بيت بظروف قاسية وعبء انعدام مورد الرزق.

 

هؤلاء لا نطلب من الدولة اليوم أن تجد لهم حلا للسكن، فهذا تعجيزي ومستحيل، هؤلاء نطلب أن يكونوا على نفس درجة أهمية محاربة فيروس كورونا اللعين، وعلى نفس درجة أهمية الاستعداد الصحي والطبي. إنهم أبناؤنا الذين يوجدون أمام خطرين، فيما نحن أمام خطر واحد، إنهم أمام خطر احتمال العدوى وخطر الجوع! فالواجب الوطني يفرض على الحكومة أن تهتم بهم لأن الألفي (2000) درهم شهريا التي خصصت لمستخدمي القطاعات المأزومة من المنخرطين في الضمان الاجتماعي لا تعني هذه الفئة التي قد تصل إلى ما بين 4 إلى 5 ملايين مواطنة ومواطن في القرى والحواضر.

 

هؤلاء هم الذين كانت الدولة بصدد إعداد سجل اجتماعي لإحصائهم، وذلك بغرض رفع الدعم عن بعض المواد الأساسية ومنها غاز البوطان وتعويضهم مباشرة. هؤلاء أو جزء كبير منهم هم من يحملون بطاقة راميد للولوج شبه المجاني للمستشفيات العمومية، وهؤلاء هم الذين تقبل السلطات المحلية إعطاءهم ما يعرف بشهادة الاحتياج.

 

هذا نداء إنساني للإسراع بتخصيص منحة استعجالية شهرية لهذه الشريحة من المواطنات والمواطنين، طيلة مدة الحرب ضد كورونا، لأن الحاجة ملحة والظروف قاسية. لقد سمعنا مواطنين يائسين يقولون إن كورونا أرحم من الموت الذي يعيشونه في بيوتهم بدون مورد، وهذه من مبالغات حرارة المعاناة، ولابد أن يكون الجواب هو التضامن السريع مع إخواننا المنكوبين.

 

صحيح أنه يصعب حصر الفئات المتضررة بالضبط وإيصال المساعدات للمستحقين، ولكن الصعب ليس مستحيلا، وأن نخطئ ونعطي للمحتاجين ولغيرهم خير من ألا نعطي أحدا خوفا من أن نعطي من لا يستحق.

 

هذه فرصة من داخل الأزمة، إنها خطوة أولى ليكون لبلادنا سجل للمواطنين الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، وهنا لابد أن تستعين بخبرة رجال السلطة والشيوخ والمقدمين الذين ظلوا في خدمة المعلومة الأمينة وهم مدعوون اليوم كيد طولى لوزارة الداخلية ليكونوا في خدمة هذه القضية الاجتماعية.

 

وحتى نصل إلى الاستجابة لهذا النداء الذي لا يمكن أن يكون هناك خلاف حوله، يبقى من واجب الجميع، وخصوصا الذين يوجدون في ظروف حجر بيتي صعب أن يساهموا في الحرب ضد هذا الفيروس الشرس، وذلك بالبقاء في البيوت، فالاحتجاج أو التحدي لأسباب اجتماعية مفهومة هو مخاطرة بحياة المغاربة، وبوجود المغرب. فالصبر الصبر مطلوب من هؤلاء المكلومين الحزانى، والإغاثة مطلوبة من الدولة، وليس هناك من هو أولى بصندوق محاربة كورونا أكثر من فقراء الوطن، وكل قلوبنا معهم.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق