المغرب ينخرط في الحرب العالمية الرابعة

هذا درس لابد أن يكتب على الجبين، فاستثمروا في هذا البلد وركبوا للقطاعات الاجتماعية أبواباً من عناية، وقوموا بالصحة العمومية حتى تكون حافظة لكرامة المغاربة، وحرروا ملايين المغاربة من مساكن الذل والقنابل الآيلة للسقوط، وقربوا الفجوة الشاسعة بين مغرب يضم فئة ناجية صغيرة ومغرب الأغلبية التي تعاني، وصوبوا سياسة الأوراش الكبرى لتصبح هذه الأوراش هي الإنسان لأن الاستثمار في الإنسان أبقى من الاستثمار في العمران رغم أن هذا الأخير مهم ولكن الأهم دائما أهمّ.

نور الدين مفتاح [email protected]

هذه أيام حزينة مفتوحة على المجهول. فيروس مجهري قلب العالم رأساً على عقب، وحول الخارطة إلى جزر معزولة مغلقة على نفسها. عصف بأروبا وزعزع العولمة وأصبح «كورونا» هو أقرب رفيق لكل إنسان إما كخبر أو كهاجس أو كمرض أو كمتحكم في اليومي.

هذا فيروس أصبح هو وزير التعليم العالمي، يحدد للتلاميذ والطلاب مواقيت دروسهم، وهو وزير الأمن القومي، وهو ضابط إيقاع الفضاء العام، وهو المتحكم في المواصلات العمومية وفي العلاقات الحميميّة، وفي طرق السلام وفي صلوات المسلمين وابتهالات المسيحيين وفي الحق في الحق أصلا!

لم نكن في المغرب استثناءً. والمواطنون أحسوا بهول ما يجري حقيقة ابتداء من الإعلان عن قرار تعليق الدراسة في جميع أسلاك التعليم في نهاية الأسبوع ما قبل الماضي. وخلال يوم الإثنين الموالي، تحولت السيكولوجية المغربية العامة إلى حالة الاستنفار، بعد تقرير إغلاق المقاهي والمطاعم وجل الأماكن العامة، باستثناء محلات المواد الغذائية والصيدليات.

وقد توج كل هذا الإعلان حالة الطوارئ الصحية مع الحجر على الناس في بيوتهم وهو نعم القرار.

مستعدون إذن لكل الاحتمالات مع أخذ أقصى الاحتياطات، هذه هي الوصفة الجميلة التي يتمحور حولها التواصل الرسمي، وعموما يمكن أن نقول إن كل التدابير المغربية الوقائية لحد الآن كانت صائبة، وأن إحداث صندوق خاص بالوباء بمبلغ صاروخي يصل إلى مليار دولار شيء مقدر، وأن يساهم فيه كبار الأغنياء وأعضاء الحكومة والبرلمانيون وقد تبعهم الطيف الاقتصادي والمجتمعي ليكون ذلك تعبيرا راقيا على التضامن، وكل هذا لا يضمن الانتصار على هذا العدو الخطير الذي يهزم لحد الآن دولا عظمى وعلى رأسها إيطاليا وفرنسا واسبانيا، وقلوبنا معهم ومع وجميع الدول المتصارعة في هذه الحرب العالمية الرابعة، إذا اعتبرنا أن الحرب الباردة هي الحرب العالمية الثالثة.

قلوبنا مع المغرب الذي لا يتوفر على إمكانيات الدول الكبرى، ومع المواطنين، خصوصا الذين يوجدون في وضعية هشاشة وضمنهم المعوزون والذين يعيشون في معازل أحواز المدن والدور المتهالكة وأحياء الصفيح، وفي المداشر النائية والمناطق المعزولة والعالم القروي المهمش. صحيح أن فيروس «كورونا» ديموقراطي، ولا يميز بين المناصب والمكاسب، وأن الصحة العامة مجبرة على التعامل على قدر المساواة مع مريض من هامش الهامش كما مع مريض في نخبة النخبة في هذه الجائحة، إلا أن غير الديموقراطي هو حظوظ الإجراءات الوقائية.

لقد تم منع إركاب ستة أشخاص في طاكسي كبير مثلا ولكن ما يزال ملايين الناس يسكنون في دور متكدسين، بحيث نجد أسرة كاملة تقطن غرفة واحدة، وثلاثة أسر تشترك مرحاضا، ومنزلا من ثلاثة طوابق قد يضم عشر أسر، وأحياء بكاملها بها مئات الآلاف يعيشون ظروفا يصعب في رمشة عين أن نوفر فيها الشروط اللائقة بالحياة، فما بالك بشروط الوقاية من فيروس قوته في سرعة انتشاره.

لقد تم تخصيص أجنحة في المستشفيات للطوارئ، تتوفر على شروط العزل، ولكن يأتي على المغرب زمن «كورونا» وحالة صحته العمومية معطوبة وحالة تعليمه مزرية وحال نقله العمومي مهترئ، وعندما اتخذنا مضطرين إجراءات استثنائية وجدنا أنفسنا إما في وضع كاريكاتوري مثل تقرير الدراسة عن بعد مع أن الجميع يعرف صعوبات الدراسة في الأقسام فما بالك بهذه الدراسة التي تتطلب الأنترنيت والحواسيب، وهو شيء ينتمي في مغرب اليوم إلى عالم الخيال بالنسبة لتلاميذ القرى والحواضر، أو وجدنا أنفسنا في وضع عجيب كأن نقول إن الحافلة لا يمكنها إركاب إلا عدد مقاعدها وهو ما لا يمكن تصوره!.

عموما، لا يمكن إصلاح كل أعطاب المغرب في رمشة عين قبل مواجهة كورونا. إن محاربة الوباء أولوية وهي مسؤولية الجميع، الدولة والمجتمع، إلا أن هذه الجائحة يجب أن توقظ المسؤولين من سباتهم الطويل. إن الشيء الوحيد الذي يبقى للإنسان في نهاية المطاف هو وطنه، فالذين كانوا كلما حلت مصيبة أو أصابتهم ضائقة يحملون حقائبهم ويركبون درجة الأعمال ليطيروا لأمريكا أو أوربا، ها هم مع إخوتهم المغاربة على نفس الأرض مضطرين لذلك اضطرارا، وها هم إذا مرضوا مضطرين لأن يعالجوا في بلدهم، لأن لا بلد سيقبلهم بما فيها ذلك الذي رحّلوا له أموالهم أو تشبعوا بثقافته أو اعتادوا على شوارعه ونواديه أكثر من اعتيادهم على ما يجري في وطنهم.

هذا درس لابد أن يكتب على الجبين، فاستثمروا في هذا البلد وركبوا للقطاعات الاجتماعية أبواباً من عناية، وقوموا بالصحة العمومية حتى تكون حافظة لكرامة المغاربة، وحرروا ملايين المغاربة من مساكن الذل والقنابل الآيلة للسقوط، وقربوا الفجوة الشاسعة بين مغرب يضم فئة ناجية صغيرة ومغرب الأغلبية التي تعاني، وصوبوا سياسة الأوراش الكبرى لتصبح هذه الأوراش هي الإنسان لأن الاستثمار في الإنسان أبقى من الاستثمار في العمران رغم أن هذا الأخير مهم ولكن الأهم دائما أهمّ.

ولا يمكن أبدا أن نصلح أو نواجه جائحة إلا إذا حاربنا الفساد وهو يكاد يصبح نظاما قائما، الكل يدعي محاربته وهو حاضر في كل مكان، فسرقة المغاربة جريمة كبرى يجب أن تعاقب عليها المحاكم قبل أن يعاقب عليها التاريخ، وفي كل يوم ومع كل صرخة مظلوم أو ضيق صاحب حاجة أو عجز أمام كارثة، ستكون أعناق المفسدين مطوقة بأرواح المواطنين.

هذه خواطر على ضفاف وباء نتمنى من الله أن يحفظنا وإياكم منه، وإذا كان لابد من قضاء الله فإنا نسأله اللطف فيه.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. حبيب

    صحيح استاذ. ليت اللصوص يعرفوا هذه الحقيقة ويرجعوا الأموال لبلدهم واصحابها واستثمارها فيه

اترك تعليق