سنة أخرى.. فلنحلم

نطوي رقما آخر من هذا المسلسل الرهيب من الأحداث والحوادث ومن الأفراح والأتراح، ومن الآمال والآلام. سنة أخرى سنجد لها عناوين وأسماء، ولكن لن نجد لها أبداً وصفة سحرية لتكون كما نشتهي، إن الشريك الرئيسي معنا في شركة الحياة المحدودة هو القدر، وكثير منه مقضي بالآخر بجنوحه أو طموحه أو طغيانه أو اندفاعه.

نور الدين مفتاح [email protected]

نطوي رقما آخر من هذا المسلسل الرهيب من الأحداث والحوادث ومن الأفراح والأتراح، ومن الآمال والآلام. سنة أخرى سنجد لها عناوين وأسماء، ولكن لن نجد لها أبداً وصفة سحرية لتكون كما نشتهي، إن الشريك الرئيسي معنا في شركة الحياة المحدودة هو القدر، وكثير منه مقضي بالآخر بجنوحه أو طموحه أو طغيانه أو اندفاعه.

فهذه المملكة القصية كان قدرها أولا جغرافيا، إنها ملتقى بين قارتين وحضارات متنوعة، وكان قدرها أيضاً أن تعيش الجوار الصعب، وهذا هو بيت القصيد. مهما كانت مشاريع المملكة الشريفة، اجتماعيا واقتصاديا، ومهما كانت طموحات شعبها في الحرية والكرامة، ومهما كان إيقاع تطور نظامها السياسي، فإن الثابت في التأثير هو هذا المحيط القاسي الذي يستنزف من المغاربة رصيد الطموح والتطور. الشرق مغلق ومعاد، والجنوب مفتوح وفي عداد المغلق، والشمال باب مختوم بالحذر الدائم: هذه هي الأسماء الحقيقية في السجل المغربي للجزائر وموريطانيا وإسبانيا.

وضمن هذا الثلاثي الذي شارك ويشارك في رسم مصير المملكة، نجد أن الأكثر تأثيرا هو قصر المرادية بالجزائر. أجيال كاملة عاشت في ظل تنافر عز نظيره في العالم منذ سنة 1963 وإلى غاية 1974 مرورا بالتسعينيات فاليوم، بحيث إن الجار الشرقي يضع محاربة الرباط كنقطة أولوية ودائمة في سياسة الدولة. نعم، عشنا حرباً مباشرة سميت بحرب الرمال، وحروبا بالوكالة كانت تخوضها جبهة البوليساريو باسم الجزائر، ولكن أن تحتضن دولة حركة انفصالية بسلاحها وتخلق لها اسم “دويلة” وعلما وتتحايل على جزء من المجتمع الدولي، وتدسها في الاتحاد الإفريقي، فهذا يفوق التصور بله التحمل، ورغم ذلك، فكلما بدأت أوراق سنة في التساقط اشتعل الأمل بأن أشجار العلاقات بين الجارين ستزهر وئاما، ومازلنا ننتظر.

إن سنة 2019 يمكن بلا منازع في منطقتنا المغاربية أن نسميها سنة الجزائر. حراك شعبي غير مسبوق يتحدى نظاماً مغلقاً، وأحداث مذهلة تتسلسل، والتطورات مبهرة، اللاحق ينسيك في السابق. سقط بوتفليقة، فاهتزت قلوب المغاربة، ليس تدخلا في الشأن الجزائري، ولكن أملا في اقتراب إزاحة حواجز السياسة البالية من الطريق السيار للود الدافئ بين الشعبين. سقط أخوه سعيد، سقط الجينرال مدين… وتوالت اهتزازات المشاعر بين وجدة ووهران. ولكن وراء كل هذه الرموز المعادية للمغرب،

خرج وجه جديد لمؤسسة قديمة هو الجينرال قايد صالح، رئيس الأركان، ومن عجائب الأقدار أن يكون الرجل الذي قاد المرحلة الانتقالية الصعبة في جزائر الحراك هو الذي سيسلم الروح لبارئها أياما بعد تنصيب الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون، الذي عين ليلة الاحتفال بأعياد الميلاد الجينرال سعيد شنقريحة رئيسا للأركان.

لقد صام المغرب الرسمي عن الكلام في 2019 بخصوص تفاعلات الجزائر المصيرية، لأسباب معقولة ومفهومة. واليوم، يبدو أن رحيل قايد صالح سيضع نقطة النهاية لغليان الشارع، ليكون على المغرب أن يبدأ صفحة أخرى مع هذين الاسمين الجديدين: تبون وشنقريحة. فهل على المشاعر أن تستمر في الاهتزاز أم نعيد الأمل إلى غمده في انتظار المستحيل؟

كل شيء يبعث على خيبة الأمل، فالرئيس تبون بدأ عهده بتصريحات غير ودية تجاه المغرب، معيدا نفس الأسطوانة المشروخة حول تصفية الاستعمار بالصحراء، وأما رئيس الأركان الجديد، فسيرته تغني عن البحث في موقفه من حسن الجوار، بحيث شارك كمتخصص في الدبابات في حرب الرمال ضد المغرب، وقضى الجزء الأكبر من حياته العسكرية مسؤولا ملتصقا بالحدود المغربية في ما يسمى في الجزائر بالمناطق الغربية والغربية الجنوبية بسيدي بلعباس وبشار وتندوف ووهران.

نعم، لا يجب أن تواصل مشاعرنا الاهتزاز، ولكن لا يجب أن نسقط في الإسفاف، بحيث جرى في مغربنا الحبيب مع بداية هذا العهد الجديد في الجزائر انفجار من السخرية من اسم الرئيس تبون، وأبدع الآلاف النكت الحامضة وفصلوا في مشتقات ومرادفات عورة المرأة، وانتقل الأمر إلى اسم رئيس الأركان شنقريحة، وهذه هوامش هابطة كنا في غنى عنها، لأن الأمر أكبر بكثير من عضو تناسلي أو اسم خشن، الأمر أهول من سخرية عابرة إذا لم تضر فإنها لن تنفع أبدا، الأمر يتعلق بقضية مغربية معلقة هناك في الجزائر، وعلى جزء من حلها يتوقف جزء من تطلعات أمة في السلم والاستقرار والتقدم والازدهار. لم ولن نساوم التراب الوطني بأي شيء، ولكن نأمل دائما أن يصبح لنا شركاء هناك، ولم لا أصدقاء، وهذا لن يتأتى لا بالشتم ولا بالسخرية، ولكن بالعمل الجاد والنفس الطويل.

بعيدا عن الشرق، هناك شيء ما في الشعور العام للمغاربة يفيد أننا مقبلون على شيء مختلف، قد يكون خطوة جريئة إلى الأمام، وقد يكون العكس، المهم أنه انطلاقا من بداية هذه العشرية الثالثة في حكم محمد السادس، لن تستمر الأمور على حالها، و2020 سيكون لها لون التغيير أكيد، يبقى أن نعرف فقط بأي طعم؟!

وما يدعم هذا الانطباع هو هذا التحرك البركاني في جوف المجتمع، وفي الدولة أيضا. المجتمع صعد من مطالبه، وأمواج دمقرطة التعبير العمومي ترتفع وتشتد تلاطما، والدولة تهيء ملامح مغرب جديد من خلال لجنة دعيت لرسم نموذج تنموي مغاير للمملكة. أمام اللجنة مهلة 6 أشهر، ونحن على بعد سنة من انتخابات 2021، وعند هذه الامتحانات يقف العزم في انتظار الإرادة ليركبا رحلة المصير المشترك. قد نكتشف البترول بكميات خيالية، وقد تحل قضية الصحراء، وقد، وقد.. ولكن في انتظار التحولات التاريخية، يمكن أن نقول إننا نملك غنى الاختيارات الشجاعة، اختيار التحول الديموقراطي والعدالة الاجتماعية ودولة المواطنة وتقاسم اليسر والعسر. لنبدأ في 2020 سنة سعيدة، والخير أمام.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق