•   تابعونا على :

ما هذا الحَــوَل السياسي؟

على العموم
بقلم أحمد الخمسي
في الخميس 25 دجنبر 2014

نحن اليوم نعيش ذكرى اغتيال القائد الاتحادي عمر بنجلون. ويمكن لكل نزيه رأي وموقف، كيفما كان انتماؤه الإيديولوجي، أن يدرك أن الفعل الشنيع كان باكورة حَــوَل سياسي، باعد بين نية النضال وفعل القتل الجريمة. لذلك نسائل صيرورة اليوم البشعة الأكثر اتساعا والأبلغ فتنة. 

تظهر البرامج العلمية لحظات الصراع الطاحن المميت بين الحيوانات المفترسة، أصغرها العناكب مع الحشرات الأخرى وأكبرها التماسيح مع البقر البري. نتابع تلك البرامج حيث تغدو الغريزة سلاحا فتاكا ولو بالسم، وكيف يفرز الانقضاض انغراس الأنياب في الأعناق وما يليه من الترنح الأخير رغم عراك الأطراف والجهد الأخير الذي لا يريد أن يكون أخيرا من حيث عنفه ودرجة قتاليته. 

ولا تستغنى الكائنات المفترسة عن الترصد والكمائن. كما لا يغيب الذكاء من حيث هندسة مواقع الاختباء ولحظات الظهور والانقضاض. وفي المقابل، ترى الجحافل فتعتقد أن الثيران الوحشية قادرة على حفظ نوعها من هجوم قلة سباع أو ضباع. لكن اللامبالاة أو اليقظة العارية من التضامن الجماعي ناهيكم عن القرون الضخمة المحمولة كما لو كانت عبئا لا سلاحا، كل ذلك يقلب النتائج غير المنسجمة بين الأجساد الكبيرة والإرادة القاهرة. فتأتي النتائج غير المتوازنة بين الثيران بعشرات الآلاف والسباع التي لا تصل إلى العشرة. 

مشاهدة البرامج العلمية حول مجتمع الحيوانات المتوحشة، تكاد تكون آخر ما تبقى من برامج تلفزية جدية، لأنها تشحذ الذهن بالأسئلة الوجودية، وهي أسئلة طبيعية تؤشر على جدية نية المشاهد المستهلك للبرامج التلفزية بدل الإغراق الممل في البرامج الترفيهية والمسلسلات المستنسخة حول "الغراميات" بلا توقف. بنسبة 18 %  من عمر الفرد (معدل 4 ساعات كل 24 ساعة)، تصبح مشاهدة التلفزة المصدر الرئيسي للمعلومات والمادة التفاعلية الرئيسية التي تملأ وقته. والمعلومات بمختلف أصنافها تمثل المادة الخام للتشكل الوجداني للمشاهد (الشباب)، وهو الامتلاء المعرفي الذي يروي عطشهم المتجلي في أسئلتهم الوجودية السابق ذكرها. 

عندما نركز على حزمة قنوات القمر الصناعي نايل سات، نجد بين حوالي 700 قناة، منها ما لا يقل عن 100 قناة متخصصة في الخطباء والدعاة. وهو أمر جيد من حيث الاستجابة لحاجة المجتمع بصدد المعتقدات. لكن حزمة البرامج الدينية تختلف كثيرا عن تلك التي كانت وظيفتها حفظ القرآن من التهميش، بالقراءة والتفسير، بل تمتد إلى مجالات الطب بما يخلطه بالشعوذة، وكذا معالجة المشاكل الاجتماعية بكيفية تجعل من الآيات الكريمة وسيلة لجمع الرأي العام الشعبي حول مستوى كومة من التفسيرات المنتسبة للرجم بالغيب، مع حشو الخطاب بالصراعات المذهبية والطائفية والسياسية، بشكل يستجيب لأهداف أمريكا حول الفوضى الخلاقة وإيقاظ النعرات وتفكيك الدول وشق وحدة الشعوب وإخضاعها لما هو غريب عنها من حيث خلق أصنام شيوخ بمحتوى الرهبان. لتتراجع حالة التدين القهقرى من "الناس على دين ملوكها" إلى "الناس على دين فقهائها/رهبانها وما أكثرهم.    

ترانا نرى وجهنا في مرآة الواقع كما لو كنا ثيرانا برية نتسابق على غير هدى وقد أعمانا الخوف، سواء كنا جماهير أمام فرقة صغيرة من البوليس المدججة بالهراوات أو كنا عساكر عربية أمام طائرات مغيرة لعدو قزم الحجم فتاك الإرادة.  وإرادة قادتنا لم تنعدم، وحده الفساد نخر صوابها فأوغلت في الشراهة. شراهة بحجم خمسين ألف جندي عراقي وهمي، تذهب ميزانيتها البترولية إلى جيوب الطبقة السياسية المذهبية للإثراء الفردي أو لترتيب مؤامرات التناحر الطائفي. 

وعندما يتوحد المذهب وينسجم العلماء والقادة السياسيون بلا مبرر للتجييش، ترانا شحاذين واقفين على أبواب البنك الدولي، ليملي شروط وضع الكهرباء والغذاء والدواء والكساء ومواد البناء فوق صفيح ساخن، لا يقدر الفقراء منا على مسه....بينما يتفنن الأغنياء في مس ومص المرطبات والحشو  والإطناب ما لذ وطاب من مشتريات وقد مست الصغار منهم أدواء السمنة والانحراف من فرط البذخ.

هذه التناقضات اليومية، سواء بالاحتكاك والعيش المباشر أو عبر البرامج الإخبارية، توفر التربة النفسية والعجينة الأولية في نفسية الناس في المنطقة العربية. 

وفي براثن الأمية والفقر والهشاشة والانتهازية المرتبطة بالليبرالية المتوحشة، تشحن أذهان الطبقات الشعبية بتفسيرات ما أتى الله بها من سلطان، لكنها تختلط بالعجينة المجتمعية لتبدأ كيمياء مريضة في زاويتي الانتماء الهوياتي والمشاركة السياسية الزبونية. انتماء يكاد يصبح كائنات فردية وسط مجتمع متوحش بلا قيم لا حضارية ولا عصرية، ومشاركة على مقاس الصراع والقتال النفعي. 

إذا كانت المعطيات الخام موجعة، تمتص دم الكادحين في الاقتصاد وابتزاز معنوياتهم تحت تهديد البطالة، تمتص ثورات المقاولات بالتهديد القضائي الموصل إلى الإفلاس، تغلق أبواب المشاركة المحروسة بزبانية قلع الريع، فالمعنويات كمنتوج لهذه الوقائع والظواهر معنويات مريضة. مريضة بالحزن والغبن وفحش التفاوت المفرط. معنويات لا تنتج صورة الوعي النقدي، بل تنتج الوعي الشقي بذهنية ردود الفعل في حالة الغبن وبعقلية الاستهلاك المفرط في حالة التناغم مع نظام الريع. 

وفي المستويين: مستوى المعطيات العينية ومستوى الوعي العاكس لها، نحصل على جسم مجتمعي يعاني من فقر الدم وضعف المناعة (الهشاشة في الوضع) ومن السفه في المعالجة النظرية وكذا التدبير العملي، بحيث نعاني في القضايا القومية والإقليمية، حيث يمتد انتماؤنا المعنوي والحضاري، نعاني نوعا من الحـَـوَل البصري. نسمع تسمية الحركات بالقدس والأقصى كما لو كنا نهدف إلى تحرير الأمة فنجد أنفسنا في اقتتال غير مسبوق داخل كيان قُطـْري يسمى سوريا. أليس الحَوَل بعينه؟ كما تحكي النكتة عمن يعتقد أنه يصبغ جداره إذا به يصبغ جدار جاره. 

إن الذين يرون في انتصار الليبرالية المتوحشة انتصارا للحرية وكفى، ينسون الخبير الذي استعانت به الحكومة الفرنسية ليدلها خلال الأزمة المالية العالمية على مسالك النجاة، لم يكن سوى أمارتيا سن الذي أعلن في كتاب كامل أن "الحرية تنمية" (عنوان الكتاب لمن يتذكر عالم المعرفة)، كما أن الكوارث التي توفر لنا اليوم هذا الحول السياسي باسم الدين، يؤكد أحد مناضلي حركة "احتلوا وول استرتيت"، ديفد غريبر، أن الرئيس أوباما تحول من زعيم حمله الشباب الأمريكي إلى سدة الحكم (68%  من المصوتين الشباب لفائدة أوباما مقابل 30 % فقط لفائدة جون ماكين) إلى مجرد محافظ معتدل، مما يعني استمرار الولايات المتحدة في نفس اتجاه المحافظين الجدد المدمرة لأوضاع الشرق الأوسط وامتداداته. 

مما يفسر ماكينة داعش التي تتلخص في طاحونة حجرية يوضع تحتها الشباب الفائض عن الربيع واليائس من الربيع والممدد عمل الربيع لكن في تشوه تام للصور التي تتبدى أمامه بفعل حَـوَل سياسي غير مسبوق.

هل يمكن تشوه الوعي أكثر مما يمكن أن يتشوه بعوامل تتشابك فيها مفاعيل التهريب وتجارة المخدرات والجذبة الوجدانية باسم التدين.. بحيث يتوافق أكثر من طرف على وضع المواطنة ودولة القانون جانبا، مقابل القبول بحياة مافيوزية عابرة للحدود وقاهرة للسيادات، في منطقة أصلا تحت النير التاريخي لتشويه الكيانات المجتمعية والقارية والخريطة الحضارية. 

تتساءل الصحافة عن أسرار اجتذاب داعش لشباب سبتة المحتلة والفنيدق بشمال المغرب؟ والحال أن المخابرات الفرنسية والأمريكية تعترف بالخبرة العالية للأجهزة الأمنية المختصة بالضبط في ميدان اختراق الجماعات الدينية المتطرفة !!! أليس لنا وللأنظمة السياسية المجاورة مسؤولية في إنتاج هذا الحَـوَل السياسي المقرف؟

تعليقات الزوار ()