•   تابعونا على :

دمَّرهم الله!!

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الخميس 25 دجنبر 2014

قبل شهور معدودة، أوردت الصحيفة الفرنسية المسؤولة والرصينة، وأعني بها جريدة "لوموند" "Le monde" أن الممثل الإسباني "خافيير بارديم" صرح لها بأن سفيرا فرنسيا قال له إن المغرب "مثل العشيقة التي نُجامعها كل ليلة، رغم أننا لسنا بالضرورة مغرمين بها، لكننا ملزمون بالدفاع عنها"، وهي تصريحات لا يستغرب لها العارف بالأسرار الواضحة التي تجمع بين المغرب وأحفاد المستعمرين السابقين، لذلك لا نستغرب مطلقا أن يتيه هذا الديبلوماسي الفرنسي ويفقد لغته الديبلوماسية، كيف لا وهو يتكلم عن عشاق لا يلزمون، والطريف أن هذا الديبلوماسي الفرنسي كان يتكلم مع الفنان الإسباني باللغة الإنجليزية، لأن الديبلوماسي الفرنسي كما غيره يدرك أنه لولا الاغتصاب اللساني الذي تمارسه فرنسا على مستعمراتها القديمة لما استطاعت اللغة الفرنسية أن تتعدى حدودها الجغرافية واللسنية، والأطرف أكثر أن يقول أحدهم وهو يحاول الدفاع عن هذه العلاقة المشبوهة بين المغرب وفرنسا، إن الصفة التي استخدمها الممثل الإسباني "The Lover" تعني العاشق أو العاشقة على حد سواء. هنا، وبدون كبير عناء، لا نحتاج إلى دفاع لغوي بحثا عن الفاعل والمفعول به أو لأجله، فالمقصود هو الوضع خارج السرير، في هذه العلاقة الخرافية كما سنرى بين المغرب وفرنسا..!! فبالأمس حملت صحيفة "لوفيغارو" عنوانا يقول: "هل تفرض فرنسا على المغرب زواج المثليين"، بمناسبة رفع قضية زواج بمحكمة فرنسية بين شاب يحمل الجنسية المغربية وشاب آخر فرنسي، ويدور اليوم جدل قانوني بفرنسا يقول: "ألا يعتبر فرض هذا الزواج بمثابة تدخل في السيادة المغربية". لا يهم كثيرا ما سيسفر عنه هذا الجدل القانوني بفرنسا، والأهم كما أسلفنا هو هذه العلاقة الخرافية حاضراً وتاريخا بين المغرب وفرنسا.

ففي بداية الثورة الفرنسية كان المغرب يعيش صراعا بين أبناء السلطان العلوي محمد بن عبد الله على الملك بعد موته، والتي يمكن أن نسميها ثورة الملوك والتي شغلت السلطان "مولاي سليمان ثلاث سنين لإخمادها، في ذات الوقت كان الفرنسيون مشغولون بثورتهم، وفي البداية لم يكن السلطان "سليمان العلوي" مرتاحا للثورة الفرنسية خصوصا بعد أن رفعت المبادئ والشعارات التي تفصل بين الدين والدولة والسلطان المغربي لا يملك غير التكوين الفقهي، وازداد استياء السلطان المغربي من الثورة الفرنسية لما تم إعدام الملك الفرنسي "لويس 16" بعد الثورة، هكذا وفي رسالة مؤرخة بـ 3 ماي 1773 يقول فيها السلطان المغربي "لقد بلغني أن كل سلاطين أوربا جمعوا قوتهم لإعادة عرش فرنسا إلى يد ابن الملك الذي اغتيل بكل بشاعة، وأعلن أمام الملأ أني أساندهم، ومستعد للتعامل معهم في هذه المسألة، كما أني أمنع الدخول إلى أراضينا على كل هؤلاء الفوضويين الأوباش الذين لا يعترفون بعاهلهم الشرعي"..!! فقد تكونت أحلاف ملكية أوربية تتزعمها بريطانيا، من أجل اغتيال ربيع الثورة الفرنسية، كما حاول ذلك الخليفة العثماني بتركيا "سليم الثالث" الذي بعث رسالة إلى السلطان المغربي مولاي سليمان يقول فيها "إن هذه الثورة الفرنسية تدعو إلى المساواة وإلى حرية الفكر والعقيدة، والأخطر هو أنها تدعو إلى القضاء على الملوك"، ويختم السلطان العثماني رسالته بـ "إنهم ينبحون كالكلاب ويعوون مثل الذئاب"، كما أن القنصل البريطاني بالمغرب حاول بكل الوسائل أن يبين بشاعة الثورة الفرنسية لدرجة أنه كان يروج أن "نابليون" ما هو إلا تجسيد للشيطان..!!

لكن فرنسا الثورة التي كانت محاطة بالملكيات الأوربية المعادية أدركت أنها لا يمكن أن تفرط بالمغرب، الذي كان يعتبر المزود الرئيسي لها بالحبوب، وهي التي تعاني من التدهور الاقتصادي والمعيشي كما هو حال بداية كل ثورة، وبعد مجهودات يطول ذكرها، ولعل أكبرها هي لما استولى نابليون على مالطا، أرسل له الأسرى المغاربة الموجودين بالجزيرة، ومن ضمنهم من السلالة الشريفة، وستسغربون كما أنا من وجود شريفة في هذه الجزيرة، والمهم أن السلطان المولى سليمان لم ينس أبدا هذا الجميل من طرف فرنسا الثورة، وإن كان الذي دفع إلى هذا هو سواد عيون القمح المغربي لا شيئا آخر، وهكذا استقبل السلطان المغربي القناصل الفرنسيين الذين أصبحوا يسمون بممثلي الشعب الفرنسي بعدما كانوا بالأمس ممثلي ملك "فرنسا"، ومن مكر التاريخ أن قنصل فرنسا الثورة "دروشي" بالمغرب لما كان راجعا في مهمة إلى فرنسا سقط أسيرا في يد الإنجليز بجبل طارق، وهكذا اتصل القنصل بالنيابة "المسيو مير" بالسلطان "سليمان العلوي" طالبا منه التدخل لإطلاق سراح القنصل الفرنسي، وهكذا وجَّه السلطان المغربي رسالة إلى حكومة الثورة بفرنسا يقول في مقطع فيها: "لقد أثَّر فينا هذا الفعل الشنيع (يعني اعتقال القنصل الفرنسي) وقد كاتبنا ملك لنكلطيرة (هكذا كان المغاربة يسمون بريطانيا) في شأنه وعرّفنا بقضيته، وأكدنا عليه في تسريحه، ونحن ننتظر نتيجة ذلك"..!! كما أن المولى  سليمان هدد ممثل الحكومة الإنجليزية بجبل طارق بأنه سيمنع كل التموينات عن جبل طارق وعن الأسطول الإنجليزي..!! وهكذا تم إطلاق القنصل الفرنسي "دروشي" ليلتحق بقنصليته بطنجة، هذا القنصل الذي سيقول في رسالة إلى وزير خارجيته "أملك أصدقاء بجانب المولى سليمان، ووزراؤه يمدونني بالأخبار الصحيحة والمزيفة..!! عجيب! من ذاك الزمن وفرنسا تعرف الصادق والمزيف في الحاشية السلطانية المغربية..!!

والطريف أنه بعد الانقلاب السياسي والفكري الذي أحدثه ربيع الثورة الفرنسية، هاجرت فئات من الشعب الفرنسي إلى المغرب، أغلبهم من رجال الدين الفرنسيين والمعارضين للثورة الفرنسية، ورجال السياسة المستفيدين من العهد الملكي، والتجار الخائفين على مصالحهم، وعدد كبير من الفرنسيين الذين طردتهم بريطانيا من جبل طارق، حتى إن الوزير المغربي "بن عثمان" بعث برسالة إلى القنصل الفرنسي يخبره بتوافد أعداد هائلة من الفرنسيين، هاجرت إلى كثير من المدن المغربية، ولما طلب من القنصل الفرنسي تقديم مساعدات إلى مواطنيه، أجاب القنصل الفرنسي أنه لا يمكن تقديم مساعدات لمن أقاموا طويلا بأرض الأعداء، يعني جبل طارق التابع لبريطانيا عدوة الثورة الفرنسية، حتى أصبح المهاجرون الفرنسيون عالة على المغرب وعلى تقاليده، فها هو المؤرخ الكبير الضعيف الرباطي يقول في كتابه التاريخي الشيق: "تكاثرت النصارى (يعني الفرنسيين) بالرباط ويمشون بالأسواق بالثلاثين والأربعين والعشرين، دمَّرهم الله… يدخلون بعض الديار على الفحش والمنكر، وصار أهل الرباط يصنعون أبواب الديار بالأقواس الرومية، ويركنون لصحبة النصارى ويدخلونهم للديار ويكرمونهم ويحبونهم على هذه الحالة، الجل منهم والمسكين ضائع"..!! لا ننسى أن هؤلاء لاجئون ومقيمون ومهاجرون، من دين مختلف وجنس مخالف والمغرب في حالة قوة..!! هل يعود أحدهم إلى الأرشيف الفرنسي ليقف على ما كتبناه وأكثر..!! وللربيع العربي ولاجئيه ومهاجريه مليون غضب وألف عزاء..!! وللمتيمين المغاربة بفرنسا أن يقرأوا تاريخهم كي يحبوا ويعشقوا فرنسا بشكل أفضل..!!

يبقى فقط أن أقول إن كثيرا من المؤرخين والفقهاء المغاربة آنذاك لما يذكرون النصارى يذيلون ذلك بـ"دَمَّرهم الله"، والذي نرى أن العرب والمسلمين وديارهم وعواصمهم هي التي دمِّرت بفتاوى بعض الفقهاء لا بِدُعائهم.. اللهم الطُفْ..!!

وكل لطف وأنتم………………!!

تعليقات الزوار ()