•   تابعونا على :

هل يمكن مقاضاة الدولة؟

على العموم
بقلم أحمد الخمسي
في الجمعة 19 دجنبر 2014

عرفت الحكومات المغربية السابقة منصب وزير الدولة، سواء بالنسبة للوزراء المحسوبين على القصر الملكي أو الأمناء العامين للأحزاب. منصب وزير الدولة يأتي ضمن المناصب العشرة الأولى على رأس الدولة بعد الملك ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان وقادة الجيش والشرطة. هذا الترتيب يجعل – افتراضا – الأمن الشخصي لوزير الدولة قضية حيوية لهيبة الدولة نفسها، باعتباره موظفا ساميا في الدولة. يعيش وزير الدولة، كل لحظات وظيفته، مقيدا ببروتوكول صارم ضمن شكليات دقيقة وكأن ملامح وجهه وحركاته وخطواته ولقاءاته محسوبة على الموقف الرسمي للحكومة  بل والدولة. ولنتخيل شخصيات وزارية بدون حقيبة، من عيار أحمد العلوي أو عبد الرحيم بوعبيد أو امحمد بوستة أو علي يعتة. في الحالتين، سواء بالنسبة للذين تبوؤوا منصبهم محسوبين على القصر أو بصفتهم زعماء سياسيين، كانت الدولة أو الكاريزما السياسية تحيطهم بهيبة باعتبارهم شخصيات دولة. 

نحن نتحدث هنا عن ادعاء الخصوصية المغربية، حيث تكرس الدولة نوعا من الكبرياء والتحصين (وليس الحصانة فقط) حد تقديس القرون الوسطى (حفل الولاء نموذجا). 

مع كل الذي ذكر أعلاه، كيف نتخيل السبب الاعتباطي لوفاة مفاجئة لوزير الدولة بدون حرس شخصي مرافق، دهسا من طرف القطار؟ أليست الدولة ملزمة بإجبار الحرس الشخصي على مرافقة وزير الدولة حتى يوم العطلة الأسبوعية؟ هل يعقل أن يدوس القطار السريع الذي لا يضبط مواعد السفر على كل حال وزير الدولة كمنصب وحيد في الحكومة الحالية؟ 

نعم، في عهد العولمة، يتنافس الزعماء السياسيون في خفض درجات التحصين لأنفسهم سعيا وراء الارتباط الجماهيري بهم. فنرى رئيس حكومة إحدى الدول الاسكندينافية يدخل مقر الحكومة على الدراجة الهوائية (البيسيكليط)، أو رئيس دولة الأوروغواي يجلس أمام حلاق شعبي يحلق رأسه، أو رئيس بوليفيا يضرب عن الطعام في مقر البرلمان، أو رئيس الاكوادور ينتظر ست ساعات قبل أن يسمح منظمو مؤتمر حقوقي دولي بدخوله كمواطن قاعة المؤتمر في عاصمة الدولة التي يرأسها.

إذا عدنا إلى حالة الوفاة المفاجئة لوزير الدولة الراحل عبد الله بها، ولنشغل مخيالنا بالاحتمالات المتنوعة، نجد عطلته الأسبوعية كانت شغلا سياسيا، ما دام قد قيل عنه إنه كان بصدد معاينة المكان حيث توفي غرقا الراحل أحمد الزايدي، وهذا لا يلغي الصفة المباشرة والملتصقة به: وزير الدولة. أين الحرس الشخصي؟ قد يقال إن الراحل عبد الله بها وجد نفسه منشغلا عبر الهاتف بقضية هامة إن لم تكن خبرا استثنائيا شتت تركيزه وأنسته حالة مشيه فوق السكة الحديدية: أين الأمن الشخصي؟ قد يكون ابتعد عن سيارته حيث أشخاص الأمن المرافق لسبب حميمية المهاتفة: لم يثبت أنه وجد في منطقة الموت حرس شخصي لا من قريب ولا من بعيد. 

هل كنا سنسمع عن وجود حسني بنسليمان أو المنصوري أو العنيكري منفردا بلا حرس شخصي حتى في أقصى درجات انشغالاته الحميمية؟ فالحرس الشخصي علبة سوداء لا حق له في التدخل في السلوك الشخصي للموظف السامي كيفما كان السلوك. فسر المهنة واجب الحرس الشخصي ولا حق له في التدخل في السلوك الشخصي للمسؤول الموظف السامي للدولة. لذلك، كان على الدولة واجب فرض الحرس الشخصي على وزير الدولة لأن وفاته المفاجئة يفترض فيها خسارة فادحة محققة تتحملها الدولة أوتوماتيكيا. قد يكون وزراء حزب العدالة والتنمية، خصوصا من عيار عبد الله بها، ملتزمين كون الوفاة أجل إلهي لا يقدم ولا يؤخر، وبالتالي لا ينفع حرس شخصي مع أجل الوفاة. نحن هنا بصدد حادث سير قاتل، لو كان القتيل أحد المسؤولين الأمنيين الثلاثة المذكورة أسماؤهم أعلاه، لاقتيد سائق القطار للتو إلى السجن، لاحتمال أن يكون الموت نتيجة مؤامرة مدبرة، في حدود هذه الفرضية المنتسبة إلى القانون الوضعي، حيث القاعدة القانونية المتبعة تحريك الدعوى لافتراض المسؤولية الرابطة بين السبب والنتيجة، وحيث إننا بصدد التحليل المدني لوفاة مفاجئة لموظف سام في الدولة، وبعيدا عن كل تعليل ايديولوجي، نتساءل دائما عن تفعيل قواعد البروتوكول الحامية للموظفين السامين في حياتهم ما داموا حاملين للصفة تلك. 

ولنفترض مع برنارد لويس، المستشرق الأمريكي من أصل بريطاني، وهو يعالج العلاقة بين الدين والسياسة، على لسان الرئيس الأمريكي طوماس جيفرسون. قال:"في إحدى رسائله، لاحظ طوماس جيفرسون أنه في ما يتعلق بأمور الدين فإن "مبدأ الحكومة المدنية" ينبغي أن يعكس ويجب علينا أن نقول: أنت في حالة اتحادهما – الدين والسياسة – تسقط، وفي حالة انفصالهما تنتعش". لنفرض أن الراحل أراد أن يربط بين معتقداته الايديولوجية الدينية كون الموت قضاء لا راد له، وبين موقعه كموظف سام بدرجة وزير دولة، هل ذلك يعفي الدولة من إلزامها لوزير الدولة بملازمة الحرس الشخصي له؟ لنفرض مع طوماس جيفرسون أن وزير الدولة كان يفضل عدم ملازمة الحرس الشخصي له خلال العطلة الأسبوعية بناء على قناعته الدينية، هل تنتفي مسؤولية الدولة في تصرف وزير الدولة في حياته الخاصة بعيدا عن الحرس الشخصي؟ وبموجب "مبدأ الحكومة المدنية" على لسان طوماس جيفرسون، ألا يحق لذوي الحقوق أن يرفعوا دعوى ضد الدولة كونها سمحت للراحل بالتصرف دون حرس شخصي؟ ولنفرض أن ورثته، الزوجة والأبناء، لهم نفس القناعة كون الموت جاء أجلا إلهيا لا يقدم ولا يؤخر، ألا يحق لطرف آخر أن يرفع هذه الدعوى أو يطلب من وكيل الملك، حيث توجد درجة الاختصاص، تحريك الدعوى العمومية بهذا الصدد؟ ألا تكون هنا المناسبة لاحترام حرية معتقد الفقيد وأسرته مقابل احترام موجبات "مبدأ الحكومة المدنية". 

إن التفاف الرأي العام السياسي والحقوقي حول هذه المسألة، رفع الدعوى ضد الدولة بصدد وفاة وزير الدولة، سيحول مستوى الرأي العام السياسي من مستوى الوعي الشقي المنشطر إلى ثلاثة أجزاء: بين موقف نظرية المؤامرة الحانق وبين موقف التشفي انتقاما وكيدا "الحاذق" وبين موقف الاستعمال الرجعي الاتكالي للدين وهو لخطاب العبودية الطوعية موافق. 

إضافة إلى الإجماع الذي حظي به الراحل كونه نزيها وحكيما ومقتدرا وناكرا لذاته (صيغة رسالة التعزية الملكية)، فلسوف يقتنع رفاقه من جماعته الدينية أن الذين لا يقتسمون معه قناعته الدينية لا يفرطون في حقوقه ولا في مستحقات ذوي الحقوق، كما سيقتنع خصوم حزبه أن موجبات مبدأ الحكومة المدنية تقتضي رفع هذه الدعوى، وأن المبدأ المشار إليه رصيد قانوني لفائدة جميع المغاربة (مفهوم جان جاك روسو للمواطنة حسب عبد الله العروي) تقتضي النزاهة والقدوة المواطنة استعماله لفائدة الجميع من باب الترسيخ. من هنا سيربح الجميع عبر تفعيل المؤسسة القضائية بالدفاع عن وفاة موظف سام للدولة كمؤسسة تدافع عن الجميع. 

سيكون هذا الموقف "عين العقل" ونحن نعيش أجواء اليوم العالمي لحقوق الإنسان (والمواطن)، ولو كان الضحية وزير دولة. بل عين النزاهة والحكمة والاقتدار القضائي ونكران الذات المختلفة مع إيديولوجية الضحية. سنسجل لحظة استثنائية من نبل السياسة الحقوقية. هل يقوى المجلس الوطني لحقوق الإنسان على رفع (حمل) الدعوى؟

تعليقات الزوار ()