•   تابعونا على :

تمخض الجمل!

على العموم
بقلم أحمد الخمسي
في الخميس 11 دجنبر 2014

كي لا يكبر على المعنيين معنى الاستعارة اللغوية المستعملة هنا، ومن الإصغاء إلى تصحيح ما قبل انتقال الحكمة إلى اللغة الفرنسية، نترك الجبل جانبا، ولنقل: "تمخض الجمل فولد فأرا". ولسوف يعترض معترض كون التي تلد الناقة وليس الجمل. ليعلم المعترض أن في ذلك وجها آخر للعجب العجاب الذي ظهر بمراكش الأسبوع الماضي.  

كما الدستور، عرف المنتدى العالمي لحقوق الإنسان تنزيلا على أرض الواقع، تمنينا لو لم يكن على الدرجة من البؤس المخجل التي ظهر بها، وهي المسؤولية الرئيسية للمنظمين. لكن المعارضين الذين اختاروا المقاطعة سهلوا مهمة التبئيس على المنظمين، وباتوا شركاء عمليين في ما ظهر به المنتدى.  

ومن حسن حظي أنني لم أستبق التنزيل بسوء ظن مريب في المقال السابق، بحيث تركت الصلة مع حدسي عبر العنوان: المحلول الحقوقي في كيمياء المخزن، وهو عنوان بلا حكم مسبق. ولو أن ربط المخزن بالحقوقي يترك التفاعل قيد الملاحظة المتأنية: كأن المباراة بين طرفين على وشك الانطلاق. هل يغلب الحقوقي أم المخزن الذي من عادته الالتفاف على الحقوقي؟ 

لنتفحص العنوان نفسه: المنتدى العالمي لحقوق الإنسان. في المقال السابق حاولنا أن نربط الولادة لهذا المنتدى العالمي بالتحول الذي عرفته أمريكا اللاتينية حيث ولد. وما لم نُبدِ فيه الرأي هو الجانب السلبي بمعنى المساومة التي أجرتها حكومات أمريكا اللاتينية كدول، وقد حققت على مستوى المؤسسات والبنيات صعودا تنمويا حقيقيا، مقابله تراجعت عن الطابع الجماهيري الاحتجاجي (بورطو أليغري)، لفائدة البرلمانات والحكومات، أي الطابع الرسمي المؤسساتي. 

من سوء حظنا مع المغاربة مقاطعي المنتدى أنهم لم يسجلوا هذا الموقف تجاه مؤسسي المنتدى أنفسهم، بحيث خفضوا سقف موقفهم الحقوقي من المسؤوليات العالمية إلى النزاع السياسي الداخلي مع السلطات. 

ولأنهم أخطأوا في تحديد المسؤوليات الأصلية، وهو نوع من التغاضي المبدئي تجاه حلفاء أو مجرد أطراف عالميين، أي انحراف يميني كموقف عالمي، فقد عوضوا عن ذلك بانحراف يساري زائد عن اللزوم فيما يلزم داخليا: المقاطعة. مما سهل على المنظمين المغاربة للمنتدى مهام مواجهة الموقف المعارض، ما دام قد اختار المعارضون المقاطعة، وبالتالي بقيت أروقة المنتدى قيد التنزيل المحلي البئيس الذي خطط له المنظمون ليتحول من منتدى حقوقي عالمي إلى مجرد منتدى داخلي بتأثيث أجنبي هنا وهناك لا أكثر.

أولا: سهل المقاطعون المهمة على المنظمين في الدفوع الشكلية بصدد عالمية المنتدى. فلم يتمكن المعارضون (بسبب المقاطعة) من أن ينزلوا إلى ساحة المنتدى بمرافعات كان من الممكن أن يتقن صيغها نقباء مغاربة من قطاع المحاماة، ليتساءلوا عن سبب غياب أطراف بارزة من المنظمات الحقوقية العالمية. والتساؤل صيغة موضوعية عن معايير الاستدعاء، وبالتالي تكون بمثابة كيل موضوعي لمدى عالمية المنتدى.

ثانيا: سهل المعارضون (بسبب المقاطعة) على المنظمين إخفاء عمليات الإنزال لجمعيات حقوقية وهمية وإخفاء النسبة العالية من أطراف أمنية وإدارية وكل ما ليس حقوقيا للظهور بمظهر الحجم الكمي، بحيث كان من المفروض النضال من أجل معايير للحضور الأمني خارج الأروقة ومقاييس للمحاصصة بين الجمعيات، بل جعل عدم تطبيق ذلك من طرف المنظمين مادة دسمة كقرائن وحجج لتوجه ومضمون الدعاية الرسمية والبهرجة الذي اتبع رسميا، لكن المعارضين المقاطعين حرموا أنفسهم من هذه الأوراق والإمكانيات التعبوية لفائدة القيم الحقوقية النوعية التي يضعونها في الحسبان من حيث النزاهة النضالية.  

ثالثا: وبسبب المقاطعة، كسر المقاطعون جبهة المعارضين الحقوقيين، بحيث أصبح جزء من الحقوقيين المعارضين داخل المنتدى وجزء ثان في حالة شرود، بعيدا عن أضواء الدعاية الإعلامية من داخل المنتدى، مسلوبي التأثير الأقوى الممكن احتمالا، وبالتالي ضعف طرفا المعارضة الحقوقية. وتمكن المنظمون من إخضاع المنتدى لسطوة الدولة حتى لو لم تكن راضية عن ذلك، بحيث أغرقوه في البروباغندة وفي المحلية من الناحيتين: موضوعات النقاش، والمشاركون في النقاش. 

رابعا: لم تضعف جبهة المعارضة فقط من حيث زخم المعارضين (الشباب والنساء وطبقات وسطى وسفلى) كحالة مغربية من واقع العولمة بتوجهها الليبرالي المتوحش وما يترتب عنه من بطالة وإقصاء وهشاشة اجتماعية شاملة فقط، بل هناك مسؤولون محليون من فروع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فضلوا الحضور داخل المنتدى. 

خامسا: لكل ما سبق، لم يتمكن المعارضون، من خارج المنتدى ومن داخله، من رفع مستوى النقاش حول القضايا الحقوقية بمحاورها الجديدة التي ظهرت مع العولمة: الحق في اللغات الأم، التدمير البيئي الذي تتسبب فيه الشركات الرأسمالية المرحلة نحو بلدان الجنوب، الحوار بين الحركات الدينية والعلمانية وتصحيح الرؤى ضدا على إديولوجية صراع الحضارات، التطهير العرقي والديني في فلسطين والشرق الأوسط، حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف....              

 

عود على بدء

كشاهد عيان على مجريات المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، استحضرت ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان طيلة سنوات الرصاص في المغرب المحتضن اليوم لمنتوج نضالي راق اسمه "المنتدى العالمي لحقوق الإنسان". كيف دخلت مراكش بالأمس وكيف دخلت افتتاح المنتدى اليوم؟ 

بالأمس غنت مجموعة جيل جيلالة "نزلت كافلة وسط الكارة، وكافلة فالجبال تنادي، ديما الغيث يأتي بغزارة ولا أعشاب نابتة فبلادي"، بالأمس كانت الأحداث السياسية مدوية عاصفة ، واليوم العواصف والأمطار مدمرة جارفة، لكن الطرف المهمل الأناني واحد....   

لم أنس يوم دخلت مراكش أول مرة في حياتي يوم 17 مارس 1975، في وضع مأساوي رفقة شباب طلبة آخرين من أزيلال ومراكش، معتقلين داخل فاركونيط البوليس بالمصفد في اليدين والمنديل الحاجب للرؤية على العينين، إلى أن نقلت منها بنفس الشروط بل وفوهة الرشاش موجهة نحو الرأس أواخر يونيو من نفس السنة نحو درب الشريف بالدار البيضاء. 

وبفضل الأخلاق العالية لشباب أزيلال أولئك الذين رافقتهم في الفاركونيط، احتفظت بصورة جمال السلوك لمواطني المغرب الأمازيغي العميق الشاهق في الجبال، قررت أن أختار قضاء الخدمة المدنية بأزيلال، لأستكمل "تمغربيت" التي أفتخر بالانتماء لها، ولأتعلم اللغة الأم.

وبعدما تجنبت وزارة الشؤون الإدارية أن تلبي طلبي في التعيين بأزيلال، وجدت نفسي بالفقيه بن صالح، ساعتها كان كل من الوزيرين في الحكومة الحالية ربما لم يبدآ مسيرتهما المهنية بعد: الضريس الشرقي ومبديع. 

ساعتها أيضا كان بعض مسؤولي المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد فطموا للتو من الارتباط العائلي بعد الالتحاق بالجامعة وانتقلوا إلى الارتباط بالحركة الطلابية.   

وبعد أربعين سنة (1975- 2014) ها نحن جملة من المدعوين لحضور المنتدى، نجد أنفسنا أمام مقالب التنظيم السيء للمنتدى. نقف أمام حواجز البوليس مرة أخرى. يطلب منا أن نتوفر على "البادج" والاستدعاء الخاص بالافتتاح. اتسع الاستنكار أمام حاجز البوليس، وظهر أن ضيوفا من الخارج عانوا من نفس التمييز والتعسف والترصد بشروط الاستدعاء التي لم يوزعوها سوى خفية ودون سابق تعميم ولا إعلام بزبونية متقنة ومُحكمة الطوق. بقي هؤلاء الضيوف محبطين منذ لحظة الافتتاح، الافتتاح الذي سماه رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمسية ( !!!)، دخول ثلة منا كان إدانة للمنظمين، لأنه تم بعد احتجاج صارخ مدوٍّ ولأنه تم دون أن ندلي كما أراد أشباه المنظمين بلا "بادج" ولا استدعاء. وفي اليوم الموالي كان النقيض تماما: ادخلوها بسباطكم. واستكملوا أسلوب الزبونية المنتقاة بزبونية معممة عبر إرشاء الحضور بفائض من الأكل على طول اليوم، لعل في ملء البطون استرخاء في المخ والجهاز العصبي، يخفف من كم النقاش ومن حدته.... 

لقد نجحت الدولة في تمرين بعض الحقوقيين من بين منظمي المنتدى على المزاوجة بين المخزنة الناعمة والمخزنة الصادمة تارة أخرى. فـ "نجحت" الدولة وخسر الحقوقيون روحهم، إلى درجة تعبير رئيس إحدى المنظمات البارزة عن شعوره بالإهانة بمعية أحد النقباء المشهورين...يحق للدولة أن تفتخر كونها نجحت في إعداد فوج من الولاة والعمال مستقبلا من صلب الحقوقيين بفضل المنتدى.

تعليقات الزوار ()