•   تابعونا على :

حكاية قطار الحسن الثاني المركون بمحطة اكدال منذ 15 سنة.. طلبه الشاه وتسلمه ملك المغرب

الأيام 242017/04/23 14:25
حكاية قطار الحسن الثاني المركون بمحطة اكدال منذ 15 سنة.. طلبه الشاه وتسلمه ملك المغرب
قطار الحسن الثاني

الرجل هو الأسلوب. وأسلوب وريث عرش الحسن الثاني ليس هو أسلوب والده، ومن علامات هذه الفروق البسيطة قطار سارت بذكره الركبان قبل 1999 تاريخ وفاة الملك الراحل. قطار ملكي خاص كان يمضي رحلة عجيبة يضطر فيها مسؤولو كل المناطق التي بها محطات أن يصطفوا وينحنوا لقطار يسير بأكثر من 90 كلم في الساعة.


اليوم هذا القطار يرتاح في محطة الرباط أكَدال، وهذه قصته.


كانت بداية ما سمي بالقطار الملكي مع الملك محمد الخامس في السنوات الأولى لاستقلال المغرب، عندما قرر محمد بن يوسف أن ينتقل على «صهوة» قطار أطلق عليه اسم «أوطوراي»، واستطاع أن يثير الانتباه خاصة عندما حمل رسم شعار المملكة المعروف برمز التاج الذي يتوسط أسدين. كان ذلك في نهاية خمسينيات القرن الماضي، حينما كانت السكك الحديدية المغربية تجعل من الفحم والبخار وقود محركاتها للتنقل في سكك حديدية وضعتها الحماية الفرنسية على التراب المغربي.


كان ولع ولي العهد آنذاك، مولاي الحسن، كبيرا بالقطارات، واستمر هذا الإعجاب وهذه العلاقة بين القطارات والحسن الثاني حتى بعدما تقلد الملك الراحل حكم البلاد.


عندما جلس الحسن الثاني على عرش المغرب صنع لنفسه قطاراً خاصا به -هو أول قطار يقف الحسن بن محمد على أدق تفاصيله ويتابع كل صغيرة وكبيرة فيه.


كلّف الحسن الثاني شركة فرنسية بمعية «SCIF»، الشركة الشريفة للعتاد الصناعي والسكك الحديدية، الموجود مقرها في الجهة المقابلة لمحطة القطار بعين السبع في الدارالبيضاء، والتي اقتناها بعد ذلك رجل الأعمال الشهير ميلود الشعبي، واستمرت في صناعة القاطرات الحديدية الناقلة للبضائع خاصة الفوسفاط وقنينات الغاز والحاويات الكبرى… وكانت هذه أول مرة يظهر فيها القطار الملكي بصيغة جديدة وتصور مغربي خطه الملك الراحل ونفذه الفرنسيون بشراكة مع المغاربة.


كانت نهاية القطار أو مقطورته الخلفية متميزة عن المقطورات الأخرى، حيث كانت تضم شرفة اعتاد الملك الحسن الثاني أن يطل منها للتحية.


تطور القطار الملكي، حسب رواية إطار في السكك الحديدية، بعد أن حطت قاطرات جديدة من صنع أمريكي هذه المرة الرحال بالسكك الحديدية المغربية.


قطار ملكي سماه مصدر»الأيام» بقصر صغير متنقل، يضم حماما وصالونا وقاعة اجتماعات وغرفة نوم… «فيه كلشي»، كل ما يحتاج إليه الملك كان بين يديه في عربات القطار الملكي، الذي استطاع أن يحظى باهتمام المغاربة وأن يثير الانتباه أكثر من أي شيء آخر.


في النشرات الإخبارية للإذاعة والتلفزة المغربية «إتم» التي تحمل اليوم اسم «الأولى»، كان النشاط الملكي في عهد الراحل الحسن الثاني يحظى بالأولوية، وظل القطار يحظى بالاهتمام.


يتذكر المغاربة كيف أن الملك الحسن الثاني كان يطل عبر آخر عربة في القطار الملكي ويحيي إلى جانب مرافقيه، أو وحيدا، المواطنين والمسؤولين الذين يصطفون في المحطات التي يمر منها القطار الملكي، وينحنون تحية للملك. صورة خالدة في الأذهان رغم مرور أزيد من عقد من الزمن على وفاة الملك الحسن الثاني.


قصة القطار شغلت المغاربة كثيرا وتحدثوا عن صناعه وطريقة إحضاره إلى المغرب…


الحسن الثاني المولع بركوب القطار استطاع أن يحفاظ على سر الحصول عليه، والذي اقتربت من حقيقته روايتان مختلفتان بطلاهما الحسن بن يوسف وشاه إيراه.


القصة الأولى تحكي أن الملك، الذي قضى في حكم المغرب 38 سنة، اقتنى القطار الملكي الشهير من المجموعة الأمريكية «بود أنديستريز» في بداية ثمانينات القرن الماضي جاهزا بعدما كان شاه إيران، الذي أطيح به في انقلاب سنة 1979، قد طلب هذا القطار من الشركة الأمريكية التي صنعته خصيصا لمحمد رضا بهلوي آخر شاه في بلاد الفرس.


وعرضت المجموعة الأمريكية التي وجدت بين يديها قطاراً للملوك فقط، على الملك الحسن الثاني اقتناء هذه الآلة الخاصة جدا.


محمد بهلوي كان صديقا للملك الراحل الحسن الثاني، وكانا يتقاسمان الولع بالقطارات آنذاك، وهو ما يفسر القصة الثانية، التي تجمل أن «قطار سيدنا» هدية من شاه إيران تحمل العلامة والصنع الأمريكيين.


كان القطار الملكي الذي حط الرحال بالمغرب في بداية الثمانينيات قطارا من أحدث التكنولوجيات آنذاك، إذ استطاع أن يجمع بين القوة ومتانة الصنع التي لا يمكن أن يخترقها الرصاص وبين الفخامة الداخلية وتكنولوجيا تسمح للعربات أن تنفصل عن بعضها في أية لحظة.


القطار الملكي أسطورة خلقها الحسن الثاني، تناسلت الأسئلة حولها ولم تجد أجوبة شافية، لكن المغاربة ظلوا يرون فيه أحد رموز حكم الملك الراحل.


يتكون القطار الملكي من أربع عربات تتوفر كل واحدة منها على محرك ذاتي يمكنها من الانفصال عن بعضها والاستمرار في السير على السكة.


تكنولوجيا أمريكية، طلب الحسن الثاني تعزيز داخلها بمكتب وأثاث من «الأكاجو»، وصالون في نهاية العربات يتيح للملك رؤية الفضاء الخارجي وقت وخلال تنقل القطار. كان طاقم القطار الملكي، من موظفي السكك الحديدية، يتكون أساسا من رئيس القطار ومساعديه، وتقني مكلف بسياقة القطار ومختص في أجهزة التبريد.


كان اختيار هذا الطاقم يمر عبر مسطرة مشددة من بين من ترشحهم إدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية لهذه المهام. وظل تقنيو القطار الملكي يحظون بحظوة خاصة بين زملائهم في العمل، وكانوا الأسرع تدرجا في سلم الترقيات في المكتب.


إدريس غزالي أحد هؤلاء التقنيين، وهو أول سائق للقطار الملكي للحسن الثاني.


كان الحسن الثاني كريما مع فريق العمل المكلف بالقطار الملكي، واستطاع أن يحوز تقنيو «قطار سيدنا» على عدد من الإكراميات والهدايا خلال فترة عملهم في «معلمة» الحسن بن محمد.


عندما يختار الملك الحسن التنقل بالقطار، كانت إدارة مكتب السكك الحديدية تعبئ كافة إمكانياتها البشرية والتقنية لهذا الغرض، وكانت الرحلات التي تصادف توقيت انطلاق القطار الملكي تؤجل إلى حين وصول هذا الأخير إلى وجهته.


وكان المكتب يخصص قطارا عاديا يتحرك قبل القطار الملكي بدقائق ويسبقه إلى وجهة الملك.


ورغم أن السرعة القصوى التي يمكن أن يصلها القطار الملكي هي 160 كيلومتر في الساعة، لم يختر الحسن الثاني أن يسير قطاره بأكثر من نصف سرعته إلا بقليل، رغم إمكانيات السلامة والأمان التي يوفرها القطار في حالة اعتماد سرعة عالية أو قصوى. كان الحسن الثاني يستعمل القطار الملكي في تنقلاته أكثر من السيارة في سنوات الثمانينيات وبداية التسعينيات.


كان «سلاك» آخر سائقي القطار الملكي على عهد الحسن الثاني، وكان يتطلب دقة عالية ومهارات فنية إضافة إلى دورات تكوينية في الولايات المتحدة الأمريكية لتقوية مدارك التقنيين العاملين في «قطار سيدنا»، والذين يقترحهم مكتب السكك الحديدية على أساس الأمانة والكفاءة قبل أن يمروا من مسطرة الأمن والدرك…


كان القطار الملكي في البداية ينطلق من مدينة الدارالبيضاء وبالضبط بمحطة الميناء، وكان يتنقل بالورود والحلويات بعد التنظيف والمصاحبة الأمنية كلما استدعت الضرورة استعماله في مراكش أو الرباط من قبل الملك الحسن الثاني.


بعد ذلك، وعندما شيد مرآب للقطار الملكي بمحطة القطار بأكدال، انتقل كل شيء إلى هناك، حيث أصبحت نقطة الانطلاقة من العاصمة الإدارية الرباط.
ثلاث وجهات رئيسية هي التي كان القطار الملكي يقصدها، مراكش وفاس وطنجة انطلاقا من الرباط، ولم يكن هذا الأمر اختيارا، بل فرضه وجود سكك حديدية محدودة، تصل إلى هذه المدن دون غيرها.


أحد معاصري هذا القطار والذين عملوا على تغطية تحركاته لفائدة القناة الأولى، المخرج محمد اقصايب، الذي غادر دار البريهي متقاعدا، يحكي أنه نادرا ما كان أحد يركب مع الحسن الثاني القطار الملكي، كان الملك الراحل يختار من بين وزرائه ومستشاريه من يرافقه في «القصر الصغير المتنقل»، وكانوا من بين أقرب المقربين إلى الملك الراحل.


كان الحسن الثاني مولوعا بالقطارات، لذلك اختار في مناسبات كثيرة التنقل عبر القطار.


ولع الملك الراحل بالقطار دفعه إلى الاحتفاظ بعربات كلاسيكية في مدخل قصر الصخيرات.


كانت حميمية الحسن الثاني في قطاره المتنقل أشبه برغتبه في الاحتفاظ بعربات قصر الصخيرات للراحة والاستجمام بعد الانتهاء من لعب رياضته المفضلة «الگولف»، مقصورات أخذت مكانها على يمين مدخل القصر الذي شهد أول محاولة انقلابية سنة 1971.


قطارات الصخيرات كانت أشبه بـ «بانگالو» يستعملهم وقت الحاجة.


اقصايب يتذكر كيف كان المسؤولون يقدمون تحايا الولاء للملك في كل محطات القطار التي يمر منها «قطار سيدنا»، حتى في الوقت الذي لم يكن الحسن الثاني يطل فيه من شرفة القطار الملكي في العربة الأخيرة. ويضيف اقصايب الذي عمل مخرجا في وحدة الأنشطة الملكية بالقناة الأولى، ويضيف أن المسؤولين الذين كانوا يرتدون ملابس تقليدية قدموا في إحدى المرات التحية للقطار الملكي، الذي غاب عنه الحسن الثاني، ولم يكن يعلم أحد أن الملك غير موجود في وسيلة النقل السككية هاته.


اليوم كل شيء تغير، أصبح القطار الملكي فقط جزءا من الذاكرة، بعدما اختار الملك محمد السادس عدم استعمال هذه الآلة الأمريكية، التي ترتاح ربما إلى الأبد في مرآبها بمحطة الرباط أكدال.


رغم «الراحة « وعدم الاستعمال الرسمي، مازال قطار الحسن الثاني يحظى بعناية كبيرة، وبمراقبة أمنية مشددة. القطار ينظف ويعد كأنه يستعمل أو سيستعمل، كما تتحرك عجلاته بين سكك الرباط لدقائق محدودة لاختباره والتحقق من جاهزة القطار الملكي المتوقف.


المرة الوحيدة التي استعمل فيها الملك الحالي قطار والده كانت في السنوات الأولى التي تولى خلالها محمد السادس العرش عندما كان متوجها صوب المدينة الحمراء مراكش، والذي توقف بسبب خطأ بروتوكولي.


منذ هذا التوقف غير الإرادي، توقف القطار الملكي الذي التصقت صورته بالملك الحسن إراديا في محطة ربما هي الأخيرة في مشواره منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي.


انحناءة أمام قطار سيدنا


«انحناءة أمام القطار».. مازالت الذاكرة شاهدة على مشاهد انحناء رجال السلطة المحلية في محطات القطار أمام قطار سيدنا، الذي كان الحسن يستعمله للتنقل بين كبريات المدن التي يصلها حديد سكك المكتب الوطني.


كانت الإذاعة والتلفزة المغربية تنقل مشاهد مرور القطار الملكي سريعا من أمام رصيف المحطات الكبرى والصغرى، وتنقل معها التحية التي لا تنسى والتي اعتاد مسؤولو الإدارة الترابية تقديمها للملك.


تارة يطل الملك الراحل من شرفة العربة الخلفية ويحيي الوافدين لتحيته من المواطنين والمسؤولين، وتارة أخرى يمر القطار دون أن يظهر الحسن الثاني. وفي كل الأحوال التحية واجبة لا ترتاح نفوس القائمين عليها إلا عندما تختفي المقطورات الأربع للقطار الملكي ذي الصنع الأمريكي.


مرت على وفاة الملك الحسن قرابة 13 سنة، لكن هذا الملك الراقد في قبره بضريح محمد الخامس بالرباط لازال حيا في أذهان المغاربة، حياته جزء من أساطير نسجها المخيال الشعبي للمغاربة، وأخرى تلامس الواقع، ومنها القطار الملكي، الذي لم يستعمله محمد السادس بعدد استعماله من طرف والده، لكن صورته في الأنشطة الرسمية المتلفزة مازالت عالقة في الأذهان لم تمحها السنون.

 

محمد السادس لا يستعمل قطار والده كثيرا


في السنوات الأخيرة لحياته لم يستعمل الملك الراحل الحسن الثاني، الذي غادر الحياة في يوليوز 1999، قطاره الملكي الشهير كثيرا.


عكس ما كان واقع حال هذا القطار القادم من مصانع الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات لم تكن العجلات الحديدية لقطار سيدنا تدور على السكك الحديدية كثيرا، وظل القطار الأصفر المتوج برمز العرش المغربي الذي يكشف تاجا يتوسط أسدين حبيس مرآبه الخاص بمحطة الرباط أكدال.


سار محمد السادس على نهج والده في تعامله مع القطار الملكي في سنواته الأخيرة، ولم يستعمل الملك الحالي هذا القطار كثيرا، وكانت أبرز مرة ركب فيها القطار الذهبي في بداية حكمه للمغرب، ووقتها توقف القطار بسبب خطأ بروتوكولي.


محمد السادس اختار عالم السيارات للتنقل بين المدن الكبرى، وربما قد تكون هذه الوسيلة أسرع من السرعة المتوسطة لقطار سيدنا التي أمر الحسن الثاني ألا يتجاوزها قطاره - أكثر من 80 كيلومترا في الساعة -.


ورغم أن القطار لا يستعمل، إلا أن القائمين عليه من مستخدمي المكتب الوطني للسكك الحديدية يقومون بتحضيره ويسهرون على جاهزيته صباح مساء ويجربونه، فربما تعود هذه الآلة إلى التحرك مرة أخرى على سكك الحديد.

 

تعليقات الزوار ()