•   تابعونا على :

جبهـة الـروح

على العموم
بقلم أحمد الخمسي
في الجمعة 28 نونبر 2014

يؤكد كاتب أمريكي أن "أحسن ديمقراطية يمكن شراؤها بالمال" عبر كتاب بأكمله، علما أن هذه الفكرة (محورية المال وآثارها السلبية) سبق للتراث الغيواني المغربي أن أكد آثارها الوخيمة من قبل. ونجد الأمريكي الأكثر شهرة (آل غور، "الهجوم على العقل") يفسر كيف تدمج السياسة الأمريكية ما بين التنويم المغناطيسي للمشاهدين عبر السياسة التلفزية وبين سياسة التخويف. السياسة المغربية وهي مثيلة مشوهة لشقيقتها الأمريكية لها اسم شهرة آخر: السياسة الأمنية، أو البعد الأمني في السياسات العمومية للدولة تجاه المجتمع. فإذا كانت السياسة التلفزية كفيلة بالتنويم المغناطيسي للمجتمع الأهلي، فالبعد الأمني في السياسات الرسمية تجاه الجمعيات والمجتمع المدني هي الشقيقة البكر لأختها الصغرى سياسة التنويم المغناطيسي عبر التلفزة، الموجهة للمجتمع الأهلي (الساكنة غير المؤطرة). وإذا كان إيتيين دو لابواسي (فرنسي في القرن 16م) قد وصف خطاب العبودية الطوعية لدى العامة، فالدولة تعمل باستمرار على تخويف المجتمع المنظم، مجتمع الجمعيات، عبر ما عبر عنه كمال الحبيب في جريدة "لبيراسيون" المغربية (2014/11/17). فقد لخص التوتر الحالي بين الدولة والجمعيات في ما يلي:

الاستغلال السياسي (الانتهازي !) من طرف الأحزاب المحافظة (حزب العدالة والتنمية) لثمار الحركة الشبابية التي عجلت بالإصلاحات (حركة 20 فبراير).

التغول الرسمي باسم الشرعية الانتخابية، في الوقت الذي سجل الجميع ضيق المشاركة الانتخابية 

التراجع المقلق في الحقوق الإنسانية، خصوصا حريات التظاهر والتعبير كسياسة للدولة (متابعات، اعتقالات، محاكمات...)

مركزية القضايا الاجتماعية والحقوق الاقتصادية.

ضعف التأطير السياسي والتفكك الحزبي في المسألة.

الاستمرار في الاختيارات الاقتصادية المؤدية إلى تجميع الثروات وتوسع هوة الفوارق الاجتماعية.

إن الانقضاض الرسمي على الحركة الجمعوية بصيغ وأسباب متنوعة ترسم التحالف الضمني بين المتحكمين القدامى و"المتحكمين" الجدد ضد جبهة الروح في الجسم المجتمعي: جبهة الشباب. 

فالمتحكمون القدامى يستعملون القضايا الكبرى للتضييق على العمل الجمعوي، على لسان وزير الداخلية. و"المتحكمون" الجدد يستعملون التهمة الجاهزة الجديدة (التمويل الخارجي) ضد الجمعيات، علما أنهم ترعرعوا في بحبوحة التمويل الخليجي الوهابي منذ ثمانينيات القرن الماضي، بتواطؤ مع الدولة ساعتها، تحت تأثير الخوف من الثورة الإيرانية.

إن السياسات الطبقية الضيقة، المستنبطة من اقتصاد الريع المغلق، كاستراتيجية بعيدة وعميقة الأهداف في شرايين المجتمع، للتحكم في مداخل الحياة السياسية، اقتضت ترك الفئات السفلى من المجتمع في أوضاع شديدة الهشاشة، تطبيقا للمقولة المسمومة: جُوّعْ كلبك يتبعك. ثم زاد التوجه الرأسمالي الرسمي منذ سقوط الطرف الاشتراكي (السوفياتي) من شراسة الرأسمالية المالية النيوليبرالية من توفير السند والحليف العالمي للتغول الطبقي المحلي. أما الظرفية الحالية، فقد تمكن فيها منتجو المؤسسات الاستغلالية "الحلال" (البوكير مثلا) من توفير المزيد من التبريرات الشعبوية للإيغال في التطرف الطبقي من فوق ضد القاعدة الاجتماعية للنظام الاجتماعي الاقتصادي. 

واليوم وقد اشتد الصراع، بسبب التقدير السياسي الخاطئ للطرف اليميني في الدولة، كون الظروف كلها مجتمعة للقضاء على مخلفات حركة 20 فبراير، فالحرب دوارة في جبهتين: الجبهة الجسدية حيث يقرر المسؤول السياسي الحكومي الإجهاز على صبيب الماء والكهرباء للسكان عبر إشعال نيران الفواتير المحرقة لجيوب الناس. والجبهة الروحية التي تطوق الجمعيات بتعليمات وزير الداخلية تارة، والتحريض المتكرر الموجه ضد الجمعيات من طرف وزير العلاقة بالبرلمان والمجتمع المدني. 

عود على بدء

لكل حرب مساحة تجري فوقها. وكل مساحة حرب تعني مواجهة الأطراف المتحاربة بصدد غنيمة مكتسبة أو مغتصبة. وكل غنيمة أو كنز محل نزاع مسلح مكثف ومجمع في نقطة بعينها. لكن الحروب بالمعنى الخالد للحرب حربان: حرب مواجهة على خطوط ثابتة تسمى حرب مواقع، وحرب عبر معارك هاربة مهربة تستهدف مفاجأة العدو حيث لا ينتظر المواجهة، وهي الحرب المتحركة، تتجلى في الكمائن وبالأشكال غير المنتظرة، نواتها الصلبة المعلومة الذهبية السرية التي تساعد على تجريد العدو من سلاح التخفي وتضع نقط تواجده الاستراتيجية عارية وعلى مرمى القناصة. 

في السياسة، تعتبر المواقع الحكومية والبرلمانية والمناصب الادارية المركزية أهدافا رئيسية للنوع الأول من الحرب: حرب المواقع. يتم الوصول إليها عبر الصفقات قبل الانتخابات والتحالفات والبرامج المستندة إلى المصالح الحيوية. 

وفي السياسة يقع تمدد الصراع حول المصالح الحيوية من خلال الاستثمار في الأشكال الأقل اشتعالا والمفتقدة للشراسة، تسمى في المجمل بالقوة الناعمة. تتكون القوة الناعمة من أحسن الأطر التي يتوفر عليها المجتمع. ثم لا تلبث القوى المحظوظة في ساحة الحروب السياسية أن تعمل على جذب واستقطاب تلك القوى الفردية المنبثة في المجتمع لتلتحق بصفوفها. 

ومن بين من يلتحق من أولئك بصفوف القوى المتحكمة في السلطة السياسية والاقتصادية، يوضع في منابت اجتماعية أو ثقافية، ريثما تصبح الحاجة إليه ماسة بل حيوية. وتأتي الحاجة إلى تبديل الوجوه إثر انفجار الفضائح المالية في صلب المؤسسات الرسمية السياسية أو الاقتصادية. فتعمل الطبقات المهيمنة على تسليم الأفراد أكباش فداء، ثم ما تلبث أن تسرب الأطر المستقطبة إلى واجهات الصراع، ادعاء استمرارية صلاحية البرامج والأهداف الفاسدة ذاتها، مقابل تنظيف الواجهات ومسح الأرضيات بالجثث المتبقية على مذبح التضليل. 

إذن، تكون الساحة الثقافية بمثابة تلك المحميات الطبيعية الخلفية والدائرية المحيطة، حيث تتمرن الخبرات على فنون التفكير والتعبير والتفسير، بل تلعب أدوار مُركّبة ما بين الاتصال الآني  بالأطر والمثقفين للتعبئة والتكييف الذهني المستمر، وما بين مستودع الأطر القيادية الاحتياطية المقبلة للتدبير السياسي والإداري والاقتصادي والإيديولوجي، وما بين التسخين المباشر لسعار المواجهات الانتخابية على الصعد الإعلامية، وراء عناوين موضوعاتية استراتيجية.

الفقرات السالفة أعلاه ملخص أو وصفة لما يجري في كل مكان وزمان. لكن بالملموس، لا تجد دعوات الاستحقاق والكفاءة ورفع الظلم ودمقرطة معايير الاندماج الوظيفي والصعود الاجتماعي، سوى لأن الحياة العملية التي ظلت الدولة تعمل بها هي وضع وحدات لمراقبة المرور والصعود. وحدات تعتمد الاستقطاب الزبوني والخدمة مقابل الريع والترقية مقابل الوشاية. ما دون ذلك، كل طاقات المجتمع تصبح عبارة عن مستودع احتياطي لانتقاء الأعوان لخدمة الأعيان. ولأن القوانين الطبيعية تعتمد معايير الكفاءة وهي تمهل ولا تهمل، فالتراكم الظالم تجري مياهه العفنة إلى أن تصل إلى مستنقع الاحتقان. 

من يراجع دروس الشعوب، وبإطلالة على الحالة المغربية (عبد اللطيف اللعبي: رسالة إلى المواطنين)، يجد التوصيف لجيل أو جيلين، لمرحلة أو مرحلتين، حيث يفقد بريق الواجهات ألوانه، وتنكشف الحقائق تقسيطا بالزمن (1960-1999) وجملة في الظرفيات الاستثنائية الثورية (2011- 2014). ثم تستأنف ماكينة الكذب دورتها المضللة. ومن حيث يجب أن تأتي الأجوبة والمبادرات النوعية (كما تفعل الطبقة الاسبانية اليوم) يفاجأ الناس بالأسئلة والخطابات المضللة، حيث يتم الاعتراض على مجرد تحريك الدعوى العمومية في حق ثلة من المفسدين من رؤساء الجماعات الترابية. 

فلعل تجار الدين قد وجدوا في رقعة الشطرنج مساحة كافية لهم بعد فسح المجال أمام البنوك "الإسلامية"، للتمدد في المجتمع عبرالشرايين المالية رسميا، لذلك لم يعد يهمهم أن يسهم استغلال الدين في حياة روح المجتمع وجسده أو في خنقهما معا. 

فلتستفق جموع الشباب  ولتعلم أن روح المجتمع وجسده لن يعول في الدفاع عنهما من الآن فصاعدا على تجار الدين، وليشكلوا جبهة الروح ضد الاستغلال، كل أنواع الاستغلال.        

تعليقات الزوار ()