•   تابعونا على :

خلفيات وأسرار قيادة الجنرال هرمو لسياسة "الأيادي النظيفة"

الأيام 242018/02/12 12:39
خلفيات وأسرار قيادة الجنرال هرمو لسياسة "الأيادي النظيفة"

في 9 دجنبر 2017، خمسة أيام على تعيين الجنرال دو ديفيزيون محمد هرمو قائدا للدرك الملكي بدل الجنرال دوكور دارمي حسني بنسليمان، عين الكولونيل القادري مكان الجنرال المختار مصمم، المسؤول السامي بالقيادة العليا للدرك الملكي.

 

لنعد بالذاكرة إلى الوراء، في يوليوز 2015، نشرت العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية الخبر التالي: «قائد الدرك الملكي يعفي ويجمد صلاحيات الجنرال المختار مصمم، مدير ديوان حسني بنسليمان، يوم 19 يوليوز 2015، ويعين بدله الكولونيل القادري».. قبل أن تصدر القيادة العليا للدرك الملكي بيانا تكذيبيا تنفي فيه صحة الأخبار التي تم تداولها على نطاق واسع في المنابر الإعلامية.

 

ما الذي تأخر.. مجيء الجنرال محمد هرمو أم تغيير مصمم بالكولونيل القادري؟

 


18 سنة من تجربة الحكم أكسبت محمد السادس حكمة الملك الراحل، الذي كان مولعا بإقامة التماثل بين السياسة والفلاحة، كل شيء بأوان نضجه فقطف الثمار قبل أوان نضجها غير مفيد مثل ترك الثمار حتى تتعفن وتفسد..

 

كل التغيرات التي قادها حتى الآن داخل الأجهزة العسكرية والأمنية، منذ تعيينه، كانت باختيار من الملك أو بموافقته، وبتعيين الجنرال دوديفيزيون محمد هرمو على رأس الدرك الملكي بداية دجنبر الماضي، أتم محمد السادس فريقه الخاص، إذ بمغادرة حسني بنسليمان قيادة الدرك الملكي، يكون آخر جنرالات الحسن الثاني قد طوى معه مرحلة من الحكم.

 

كان الدرك الملكي آخر معاقل الإصلاح، فقد جرت محاولات سابقة لحلحلة الوضع، لكن كل مرة، تظهر معطيات جديدة تديم بقاء الوضع على ما هو عليه، حتى أضحى قائد الدرك الملكي السابق آخر جنرال دوكوردارمي وآخر جنرالات الحسن الثاني، ولم تمس مصالحه بسوء.. وظل الدرك الملكي يؤجل إعادة ترتيب بيته الداخلي حتى السنة الأخيرة من ذهابه وقدوم محمد هرمو إلى الميدان الحيوي للنخب العسكرية بالمملكة.

 

 

التغيير السريع الهادئ

 

 

يوم 4 دجنبر عين الملك محمد السادس محمد هرمو قائدا للدرك الملكي، يوم 6 دجنبر بدأ الحديث عن تغييرات كبرى في أقوى المديريات بالقيادة العليا للدرك الملكي، والمقصود (الإيطا ماجور) بالرباط، التي تحتوي الرؤوس الكبرى للجهاز، الجنرال المختار مصمم مدير ديوان الضباط ومدير الموارد البشرية ومديرية مخابرات الدرك الملكي التي يقودها الجنرال منير اليازيدي، ومديرية الاتصالات العسكرية التي يرأسها الجنرال أحمد بشار، ومديرية العلاقات الخارجية التي يقودها الجنرال مصطفى الحمداوي.. كيف يمكن لرئيس يلج بوابة منصبه الجديد وفي 48 ساعة يبدأ الحديث عن تغييرات كبرى وسط الدرك الملكي، ويتم الحديث عن إزاحة الجنرال المختار مصمم الذي كانت قد راجت أخبار عن كونه المرشح الأكثر احتمالا لخلافة حسني بن سليمان؟ هل الأمر يتعلق فقط برسم إطار ذهبي لبورتريه رجل حديث عهد بمؤسسة التصقت باسم الجنرال الذي لم يكن سوى حسني بن سليمان؟.

 

جرت اجتماعات متواصلة على مستوى الصف الأول من قيادة الدرك الملكي، وتحول ديوان الضباط ومديرية الموارد البشرية بالقيادة العليا للدرك الملكي إلى خلية نحل، لوضع اللمسات الأخيرة على لائحة المعنيين بالترقيات والتنقيلات.. أسابيع قليلة على تعيينه، قاد الجنرال دوديفزيون حملة «الأيادي النظيفة»، وبدا كما لو أن هرمو يطبق الزلزال الملكي في القطاع الذي يشرف عليه ببطاقة بيضاء من الملك محمد السادس، لقد وصلته تقارير لجان التفتيش التي زارت جهات عديدة، وأسفر الأمر عن اعتقال خمسة كولونيلات و29 مسؤولا دركيا بشبهة العلاقة مع شبكة للاتجار الدولي بالمخدرات والارتشاء والتستر على مجرمين.

 

بالمقابل، عمل القائد الجديد على إعادة ترتيب البيت الداخلي بمختلف القيادات الجهوية، أحال كولونيلات وكومندارات على التقاعد وتم التخلص من مسؤولين بمختلف القيادات الجهوية أو المتنقلة، وتمت تصفية وضعيات عالقة للترقي همت أكثر من 60 مسؤولا، أصبحوا برتب كومندار أو كولونيل.

 

مصادر «الأيام» تؤكد أن تغيير الجنرال دوديفزيون محمد هرمو للجنرال المختار مصمم بالكولونيل القادري يعتبر تحصيل حاصل، لأن القائد الجديد، كما في أي مسؤولية إدارية، يختار فريقه وأعضاء ديوانه الذين يثق بهم من جهة، والذين يراهم أكثر فعالية وانسجاما مع استراتيجيته في القطاع من جهة أخرى، والمسؤول السامي مصمم كان يعرف أنه بعد ذهاب القائد حسني بنسليمان لن يبقى مديرا لديوان الضباط والموارد البشرية في القيادة العليا الدرك الملكي، لأنه لو كان فيهما اثنان لفسدتا.. ولكن يتساءل كثيرون حول السرعة التي سار بها القائد محمد هرمو، 3 أيام على تعيينه أحدث تغييرات مهمة في محيطه وفريق العمل المحيط به، ثم ترقية 60 مسؤولا إلى رتب مهمة (ضابط أو كولونيل)، وإزاحة أسماء تحوم حولها شبهات الفساد والارتشاء والتقصير في أداء المهام المسنودة لها، شهرا ونصف بعد تعيينه.. 

 

كيف درس كل هذه الملفات، وعرف رقعة الأرض التي يتحرك عليها؟

 

«إن الجنرال محمد هرمو ليس غريبا عن القيادة العليا وسط الجهاز ـ يقول مصدر مقرب من الفرن الداخلي ـ فالرجل ارتبط كثيرا بمجال الاستعلامات والتحقيقات في مكتب الدرك الملكي، واسمه لصيق بقيادة فرقة فيالق الشرف التي أحدثت في بداية السبعينيات، وكان مساعدا للجنرال حسني بنسليمان، خاصة في السنوات الأخيرة، حيث كان يجري التحضير السلس لإحداث تغيير في قلعة الدرك الملكي مثل باقي الأجهزة الأمنية والعسكرية.. لقد كانت بين يديه تقارير التفتيش، والضوء الأخضر الذي دشنه الزلزال الملكي، لتنفيذ ما سمي إعلاميا بعملية «الأيادي النظيفة».

 

 

محمد هرمو.. القطيعة أم الاستمرار؟

 

 

يصر مصدر مقرب من القيادة العليا للدرك الملكي على وجود استمرارية في نهج إصلاح جهاز حساس من حجم الدرك الملكي، ويتهم المحللين المتسرعين بما أسماه بـ «التضخيم» لأحداث ووقائع جزئية، بدل ربط الحدث بسياقه، ويذكر بأن الجنرال محمد هرمو كان ضمن من واكبوا وأشرفوا على تغييرات جرت سابقا قبل تعيينه على رأس الدرك الملكي، وكانت إيذانا بضرورة استيعاب التحولات الاجتماعية والديموغرافية التي حدثت في المجتمع المغربي ومست جهاز الدرك الملكي، وأعطى مثالا على التغييرات المهمة التي انطلقت في نهاية الصيف الماضي، وشملت حركة تنقيل واسعة شفافة همت 6400 دركي من مختلف الرتب، بعدما تم كشف اختلالات واسعة في قلب مديرية الموارد البشرية وصلت حد تدخل الفرقة الوطنية للأبحاث القضائية بالجهاز على إثر انفجار فضيحة السمسرة التي همت تنقيل دركيين للوجهة التي يختارونها كوجهات مفضلة لديهم، بالإضافة إلى عملية التغيير الواسعة التي مست العديد من القيادات الجهوية في بداية غشت الماضي، حيث تم تعيين الكولونيل ماجور «حسن لغريب» على رأس المدرسة الملكية للدرك الملكي بمراكش، فيما نقل الجنرال دوبريكاد «محمد تاوزتة» إلى القيادة العليا بالرباط، وتعيين الكولونيل عبد المجيد الملكوني، القائد الجهوي للدرك الملكي بالجديدة، على رأس القيادة الجهوية بمكناس.

 

وهو ما يعني أن الجنرال هرمو ـ يضيف المصدر ذاته لـ «الأيام» ـ يتمم الورش الذي فتح بفعالية أكبر ووتيرة أسرع، فهو ابن الدار وصاحب انطلاق العديد من التغييرات بمساهمته الشخصية، بما يعني أنه كان قد وقع عليه الاختيار من طرف الجهات المعنية».

 

 

الجنرال الذي ينظف أحسن

 

 

أهم ما ميز التغييرات التي أحدثها القائد الجديد للدرك الملكي هو حضور البعد الميداني، فعلى خلاف العهد السابق، حيث كانت القيادة العليا تتحصن وراء مقرها في شارع ابن سينا بأكدال، قام الجنرال محمد هرمو بزيارة ميدانية مباغتة لمدارس التكوين الخاصة بالدرك الملكي والعديد من الثكنات، خاصة في المحيط الجهوي للرباط وسلا وبنسليمان والخميسات، نتج عنه الوقوف على نقص كبير في مجال العتاد ببعض المصالح، أو تقادم وتهالك العديد من التجهيزات، وفي هذا الاطار ذكرت مصادر متطابقة أن القائد الجديد طالب بإعداد الحاجيات الأساسية لبعض المصالح خاصة المرتبطة بتطوير العتاد والآليات التي تسمح لمختلف الوحدات الخارجية للدرك الملكي باستعمال التكنولوجيا الرقمية والأجهزة الحديثة التي تتلاءم مع ظروف عمل عناصر الجهاز، وحسب المصادر ذاتها، فإن الجنرال دوديفيزيون محمد هرمو اعتمد تقارير لجان للتفتيش وعلى الزيارة الميدانية، قبل إعفاء خمسة ضباط سامين، كولونيل وأربعة برتبة كولونيل ماجور، مكلفين بالسهر على صيانة العتاد والتجهيز وإنجاز الصفقات بثكنات جهة الرباط وسلا، ضمنهم من ظلوا محميين.

 

لكن اعتقال 29 مسؤولا دركيا وإحالتهم على قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بالرباط، الذي أمر يوم الثلاثاء الماضي 23 يناير بوضعهم رهن الاعتقال الاحتياطي بالسجن المحلي بالعرجات، اعتبره الكل سابقة، لذلك أطلق على المخطط الإصلاحي للقائد الجديد عملية «الأيادي النظيفة»، والبعض أصبح يلقبه بـ «بونظيف» رغم أنه لم يمر شهران على تعيينه على رأس جهاز الدرك الملكي.

 

العملية وصفت بـ «الجريئة»، فقد قاد التحقيق في قضية مقتل ابن قاض الشهيرة بمراكش إلى القبض على كولونيل وخمسة ضباط بالدرك الملكي بمراكز بحرية بالعرائش وطنجة وتطوان وميناء طنجة المتوسط، ووضعهم رهن الاعتقال الإداري بثكنة الدرك الملكي المتنقل بتامسنا، بشبهة ارتباطهم مع أحد أفراد العصابة المتورطة بإطلاق الرصاص بمقهى «la crème» بمراكش.

 

إلى جانب عملية «الأيادي النظيفة»، تشير مصادر «الأيام» إلى أن القائد محمد هرمو أحال ملفات تظلم إلى لجان خاصة، ملفات ذات طابع إنساني أو قانوني أو إداري، تتضمن شكايات من عدم الإنصاف رغم صدور أحكام قضائية لصالح المعنيين، كما هو حال دركيين بتمارة والقنيطرة وسلا، برأهم القضاء بشكل نهائي في المنسوب إليهم ومع ذلك ظلت قرارات العزل سارية في حقهم، وهو ما تسبب في مآسي اجتماعية لهم ولأفراد أسرهم.

 

 


استراتيجية جديدة لمواكبة التحول الاجتماعي

 


تنبني استراتيجية الجنرال محمد هرمو، حسب مصادر مطلعة، على فعالية المصالح المركزية وتسهيل تنفيذ القرارات داخل أجهزة الدرك الملكي، فقد لاحظ تمركز المصالح وتجميع المسؤوليات بشكل مفرط، لذلك كان أول ما قام به الكولونيل الشاب القادري، الذي عينه القائد الجديد مديرا لديوان الضباط السامين ومدير الموارد البشرية، هو إعادة هيكلة المؤسسات، حيث فصل بين العديد من المديريات والأقسام والمصالح، بما ييسر البت في القضايا ودراسة الملفات وسرعة اتخاذ القرار ومراقبة سير تنفيذه في كل ما يرتبط بتدبير مصالح الموظفين.

 

«هذا الجانب يبدو إداريا ـ يعلق المصدرذاته ـ لكن له أبعاد إنسانية وأخلاقية، ترتبط بتسوية ملفات عالقة وبإنصاف أطر وكفاءات عبر الترقية المستحقة المؤجلة، وتثمين أكثر للموارد البشرية للدرك الملكي لفعالية أكبر للجهاز، لذلك يعتمد القائد هرمو على أطر شابة وكفاءات جديدة وخبرات بعضها لم يتم إنصافه، فبالإضافة إلى الكولونيل القادري، هناك الجنرال مصطفى الحمداوي، مدير التفتيش في جهاز الدرك الملكي، والكولونيل ماجور محمد معمر الذي كان رئيس قسم البيئة... بالإضافة إلى أطر شابة جديدة.

 

أما الجانب الثاني من استراتيجية القائد الجديد للدرك فيرتبط بالأفق الذي أعلنه الملك محمد السادس في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى 18 لتربعه على عرش المملكة: «أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة.. إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب».

 

إن التغيرات الاجتماعية كانت لها إسقاطاتها على الأجهزة الأمنية، حسب العديد من المتتبعين، فقد تغير المغرب بحكم التحول الديمغرافي والاجتماعي، بما يفرض تحول الاستراتيجية الأمنية التي لم تعد تتوجه إلى حماية جهاز الدولة ومؤسساتها ومصالحها في المقام الأول، وأضحى تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي المرتكز الأساسي لتأمين كيان الدولة وتوفير أجواء أفضل لمشاريع التنمية.

 

 بعد آخر للتغييرات التي يقودها الجنرال دوديفزيون محمد هرمو، وهو عبارة عن رسالة موجهة إلى الخارج تحديدا، فقد تحدثت منابر إعلامية دولية عن وجود تيارين أمنيين داخل جهاز الدولة في مواجهة حراك الريف، بين تيار متشدد وتيار معتدل.. وذكرت أن الجنرال حسني بنسليمان هو الذي يقود التوجه الثاني، وقد سخر الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير من هذا التقسيم قائلا: «هناك من يقول بوجود تيار متشدد وآخر معتدل، يختلفان بشأن طريقة التعامل مع هذه الأحداث وهذا غير صحيح تماما، والحقيقة أن هناك توجها واحدا والتزاما ثابتا هو تطبيق القانون واحترام المؤسسات وضمان أمن المواطنين وصيانة ممتلكاتهم، ويعرف المغاربة أن أصحاب هذه الأطروحة المتجاوزة يستغلونها كرصيد للاسترزاق وكأن الأمن هو المسؤول عن تسيير البلاد».

 

إن التغيير الذي يعرفه جهاز الدرك الملكي يسير بشكل موازٍ مع التغييرات التي أقدم عليها المفتش العام الجنرال عبد اللطيف الوراق وسط المؤسسة العسكرية، لإبراز وجود نسق يحكم استراتيجية الدولة في تثبيت وتحديث أجهزتها الأمنية استجابة لاختلاف عناصر التهديد الداخلي والخارجي الذي فرضه التحول الإقليمي والتحول الاجتماعي والديمغرافي على مستوى الدخل.

 

 

دينامية التغيير الأمني بالمملكة

 


ثاني خطاب للملك محمد السادس بعد اعتلائه العرش.. هو خطاب أكتوبر 1999، الذي تحدث فيه عن «المفهوم الجديد للسلطة»، وأول قرار سياسي اتخذه تنفيذا لهذا التصور الدينامي للأمن هو إعفاء إدريس البصري من مهامه في 6 نونبر 1999 وتعيين أحمد الميداوي خلفا له، يؤكد خبير أمني لـ «الأيام» أن محمد السادس بنى استراتيجيته على مرحلتين: التعجيل بالتغيير في سلك الأمن المدني بشكل مكثف على مستوى وزارة الداخلية، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال رأس الوزارة، فقد عرف المغرب 20 وزيرا للداخلية، من الحسن اليوسي في دجنبر 1955 حتى عبد الواحد لفتيت في 2017، 20 وزيرا خلال 62 سنة من تاريخ المغرب المستقل، اتسمت مرحلة حكم محمد الخامس بعد الاستقلال بعدم استقرار الحكومات، فمن 1955 إلى 1961 -ست سنوات- عرف المغرب خلالها أربعة وزراء للداخلية هم: حسن اليوسي، إدريس المحمدي، مسعود الشيكر الذي لم يمض سوى 7 أشهر في منصب وزير الداخلية، ثم مبارك البكاي. أما على عهد الحسن الثاني الذي دام حكمه حوالي 38 سنة، فقد مر 8 وزراء للداخلية فقط، وتعتبر الفترة من أبريل 1961 حتى غشت 1964 الأقل استقرارا، حيث عرف المغرب ثلاثة وزراء خلال ثلاث سنوات، وخمسة وزراء طيلة 35 سنة، وخلال 18 سنة من حكم محمد السادس حتى اليوم عرف المغرب 8 وزراء للداخلية.

 

ويعلق الخبير ذاته «أن المؤسسة العسكرية دوما تتسم ببطء التغيير الذي يصيب باقي المؤسسات تحت ضغط تطور المحيط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، لذلك ظل الدرك الملكي محافظا على مستوى قيادته العليا خاصة، إذ كانت الخبرة والفعالية والنجاعة التي ميزت تدبير الجنرال حسني بنسليمان تُبقي الحاجة إليه باستمرار، لكن ذلك أنتج أعطابا كثيرة، حيث تغول قياد جهويون أعطوا الانطباع أنهم محميون من أعلى، وتقوت الزبونية والرشوة داخل جهاز الدرك، وجاءت نخب جديدة ذات تكوين عالٍ وكفاءة متميزة وشهادات عليا من أرقى الجامعات وجدت نفسها على الهامش، لذلك فإن السرعة التي أقدم عليها محمد هرمو المقرب من المحيط الملكي هي استجابة لحاجة ملحة داخل الجهاز الحساس، وبتسريعه وتيرة التغيير يضع القائد الجديد نفسه في أفق استراتيجية محمد السادس.. استراتيجية أمنية واحدة ليس فيها متشدد ولا معتدل..

 


محمد هرمو، جنرال الخيالة يقود إصلاح عربة الدرك الملكي

 


وجه صارم مستدير، يزيده صرامة الشنب الأشيب المنتشر بكثافة منظمة تحت منخره الكبير، لا يخفي سحنته الشرقية، هذه الصرامة لا تمنع انفراج شفتيه عن ابتسامة طفيفة، تعيد الألفة والأمان النفسي إلى كل من التقاه من موظفيه، وهو يعبر ممرات العمارة الأنيقة للقيادة العليا للدرك الملكي الواقعة بشارع ابن سينا بالرباط، مغادرا مكتبه الفخم والأنيق أو متوجها نحوه.

 

الذين يعرفونه عن قرب يتحدثون عن ميزتين أساسيتين لمحمد هرمو، وهما الصرامة والحس الأمني المرتفع، غير أنهم يقرون له بطموحه الواسع الذي جعله مقربا من الراحل الكولونيل هاني، القائد السابق لفرقة «فيالق الشرف»، وهو الذي زكاه لدى الجنرال حسني بنسليمان، حتى أصبح هرمو يلقب بـ «مهر» القائد السابق للدرك الملكي، وها هو اليوم يصبح «فرسا» يقود عربة الدرك الملكي.

 

 

عشق الجندية انطلق من البيت

 

 

في قلب أسرة ينتمي العديد من أفرادها إلى المؤسسة العسكرية، نشأ محمد هرمو، كان مفتونا بالكسوة العسكرية، ومنذ صغره وهو يقلد التحية ولا مارش العسكري، هناك في أحد هوامش وادي أمليل قرب تازة انتقلت أسرته وهو في سن مبكرة إلى حي بطانة بسلا، حيث تابع تكوينه الدراسي ليلتحق بالأكاديمية العسكرية التي تخرج منها عام 1984، لقد كان أصغر قائد لسرية الدرك الملكي بسلا، لفت انتباه الكولونيل الهاني الذي كان مسؤولا عن فرقة «فيالق الشرف»، فاستقطبه إلى القصر الملكي.

 

كان شابا يافعا مزهوا بالزي الأنيق الذي يرتديه، ينظر خلسة إلى المرايا المنتصبة هنا وهناك وسط القصر الملكي، وتصدر عن هذا الملازم (الليوتنان) الصغير (26 سنة) ابتسامة المنتصرين في معارك كبرى، لقد انتصر الشاب محمد هرمو لحلم ذلك الطفل الذي كانه.

 

بعملية حسابية يمكن تقسيم عمر القائد الجديد للدرك الملكي إلى 24 سنة بين سنوات الطفولة التي كان فيها مهووسا بالجيش، وسنوات الدراسة التي انتهت بتخرجه في أواسط الثمانينيات من الأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس برتبة ملازم، وسنتين قائدا لسرية الدرك الملكي بسلا، وعشرين سنة داخل فيالق الشرف، حيث رقاه الحسن الثاني إلى رتبة كولونيل وعينه ـ باقتراح من المرحوم الجنرال الهاني ـ قائدا لفرقة «خيالة الشرف» CEH، المكلفة بحراسة القصور الملكية والشخصيات الكبرى، مما جعله قريبا من الملك محمد السادس الذي رقاه إلى رتبة جنرال دو ديفيزيون.

 

 

عسل السلطة دوما يوجد على سيف حاد

 

 

وجد محمد هرمو على رأس فرقة «فيالق الشرف» التي أسندت إليها مهمة «الخفر الملكي» الذي ظل يسهر على حراسة القصور والإقامات الملكية، وعلى تأمين سلامة الملك خلال تنقلاته وأسفاره، غير أن هفوة هنا وثغرة هناك كانت تعرض «سائس خيول الشرف» لغضبات قائد أركان الحرب العامة والقائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، كان أقواها ما سبق لـ «الأيام» أن أشارت إليه في عددها 748 ليوم 7 يناير 2018، يوم حل الظلام بالبرلمان على إثر انقطاع مفاجئ في التيار الكهربائي، أثناء افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان في أكتوبر 2007، وتأخرت الفرقة المكلفة في إصلاح العطب، حيث أبعد الملك محمد السادس فرقة «فيالق الشرف» من حراسة القصور والإقامات الملكية، وأسندت إلى فرقة خاصة من المديرية العامة للأمن الوطني. لكن يوم الثلاثاء27 يوليوز 2015، تلقت فيالق الشرف للدرك الملكي أمرا بالالتحاق بمراكز تأمين القصور الملكية.. السخط ذاته سيتكرر عند نهاية السنة الماضية، حيث تم إبعاد الفرقة المكلفة بأمن القصور التابعة لفرقة «فيالق الشرف''، وبداية الشهر الماضي عادت من جديد إلى وظيفتها السابقة، وتجهل مصادرنا السبب الذي كان وراء إبعاد الفرقة عن مهامها في تأمين أمن القصور والإقامة الملكية لأيام، ورجحت أن الأمر يرجع لإحدى غضبات الملك.. فعسل السلطة قد يوجد على شفرة حلاقة أو على سيف حاد أيضا، لكن فعالية الرجل وراء الحاجة إليه دوما.. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

 

اليوم، أمام الجنرال دوديفيزيون محمد هرمو مسار طويل غير مفروش بالورود، وليس له سوى تلك الوصايا القليلة التي قالها له الملك غداة تنصيبه قائدا للدرك الملكي، حول الإصلاح وتطبيق القانون وتطوير الجهاز، والالتفات أساسا إلى قضايا المواطنين... فهل سينجح في ترك بصمته في جهاز التصق اسمه باسم الجنرال حسني بنسليمان الذي دخل الدرك شابا وغادره شيخا؟

 

غدا تأتيكم «الأيام» بالأخبار..

loading...

تعليقات الزوار ()

اوقات القطار

الإنطلاق من
الوصول الى

أوقات الصلاة و حالة الطقس

اختر مدينتك
حالة الطقس
الحرارة العليا°C
الرطوبة%
سرعة الرياح mps
الصلاةالتوقيت
الفجر00
الظهر00
العصر00
المغرب00
العشاء00