•   تابعونا على :

الزلزال الملكي يستمر في حصد الرؤوس الكبرى

الأيام 242017/12/22 09:15
الزلزال الملكي يستمر في حصد الرؤوس الكبرى

في خطاب افتتاح البرلمان تحدث الملك عن "زلزال سياسي"، وفي 24 أكتوبر زلزلت الأرض من تحت أقدام 14 مسؤولا كبيرا بالمملكة، ولم يكد مداد بلاغ الديوان الملكي الأول يجف، حتى أصاب الزلزال الملكي خدام الدولة من مسؤولي الإدارة الترابية جارا وراءه واليا وستة عمال و173 رجل سلطة من مختلف الرتب والدرجات.

 

شيء ما يحدث بالمملكة؟ هل غيرت الدولة استراتيجيتها في علاقتها مع خدامها المعينين بظهائر، والذين كانوا بمثابة "محميي المملكة"؟ ما هي أبعاد الزلزال الملكي الذي بدأ بابن كيران، وأصاب وزراء وازنين ومسؤولين عموميين، ومس ممثلي الدولة وممثلي الملك في الجهات والعمالات؟

 

ويبدو أنه لازالت على الطريق الكثير من المفاجآت والاحتمالات، المقال التالي محاولة لاستقراء دلالات ما يحدث والكشف عن أبعاده ومراميه.

 

من قلب الجيولوجيا، اختار الملك مفهوم الزلزال الذي يشير إلى العلاقة المتوترة بين سطح الأرض وعمقها، ذلك أن الزلزال هو هزة تنشأ على السطح لكن سببها هو تحرر الضغط المتراكم عبر الشقوق الجيولوجية نتيجة إما لنشاط بركاني أو لتزحزح طبقات الصخور..

 

وفي التداول العام، فالزلزال مرتبط بالفزع والهول، والمصائب الشديدة، وإذا كان المغاربة قد مروا بزلازل عديدة، فإن بؤرة الزلزال، أي مركز حدوثه، هذه المرة، هو في قلب الدولة، في المراكز العليا لمؤسساتها وعلى رأس الهرم يصيب وزراء كبارا وموظفين سامين وعمالا وواليا..

 

للزلزال مقدمات، برغم فجائيته، لذلك حين أعلن الملك في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية عن التهيؤ لما سيأتي، كان يطلق صفارة الإنذار للزلزال، لم تعد علاقة الرأس مع أطرافه على نفس ما كانت عليه، فلأول مرة تتخلى الدولة عن "محمييها" وعن "خدامها" على قاعدة القانون الأسمى للمملكة حيث مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي ظل مطلب السياسيين والحقوقيين لعقود طويلة...

 

فراعنة "الظهير الشريف"

 

بالأمس القريب، كان العمال والولاة يصولون ويجولون في دائرة نفوذهم بلا حسيب ولا رقيب، كل عامل أو والٍ "يتسلطن"، ولم تكن للوزراء أي سلطة على "عمال صاحب الجلالة" و "ممثلي الملك" و "خدام الدولة" الساهرين على تنفيذ سياستها، ونتذكر كيف أن الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي بعد تشكيل حكومته، استأذن الملك الراحل للاجتماع بالولاة والعمال الذين يفترض أن يكونوا قانونيا تحت إمرته، وأعطى الحسن الثاني أوامره لإدريس البصري.

 

طال انتظار اليوسفي للاجتماع، وحين تحدد اللقاء بعد تسويف، جلس ادريس البصري بجانب الوزير الأول وقدم للمجتمعين عبد الرحمان اليوسفي على أساس أنه يريد لقاء الولاة والعمال، وألقى اليوسفي كلمته التي كانت بمثابة تعبير عن حسن النية لترسيخ الثقة مع ممثلي الدولة الذين يسهرون على تطبيق سياستها، ولا نجاح لأي حكومة بلا حسن تجاوب ممثلي الإدارة الترابية وفي الأقاليم والجهات، لكن ما الذي حدث؟

 

انتهى عبد الرحمان اليوسفي من كلمته وتوقع فتح نقاش مع العمال والولاة، لكن اكتفى هؤلاء بالتصفيق وانتهى الأمر، وفهم الوزير الأول الرسالة، على كون العمال والولاة هم شأن خاص بالملك، إنهم "محميو سيدنا".

 

لم يُقم الحسن الثاني أي حد فاصل بين الدولة وخدامها، بين موظفيه السامين وشخصه، كان يرى في النقد الذي توجهه أحزاب المعارضة للموظفين الكبار للدولة الذين عينهم كما لو أنه نقد موجه إليه شخصيا، لذلك اعتقل نوبير الأموي في بداية التسعينيات بعدما وصف الحكومة بـ "المناقطية"، أي اللصوص، وكان العمال والولاة يعون هذه الحماية، لذلك كانوا يتحدون كل من جادلهم في مسؤولياتهم ب "أنهم معينون بظهير شريف"، و "سيدنا اللي عيني"، فما الذي حدث؟

 

إذا كان السياق ـ حسب العبارة الفرنسية المتوارثة ـ هو ما يعطي معنى للأشياء، فإن الزلزال السياسي الذي أعلن عنه الملك محمد السادس ارتبط بشكل عميق بخلفيات زلزال اجتماعي أصاب إقليم الحسيمة وشد أنفاس الدولة وأجهزتها وأقلق المجتمع المغربي، ليس فقط لأنه غير مسبوق في شكله ومداه ووسائل تعبيره، وإنما لأن الدولة وجدت نفسها بلا وسائط، لا فعالية للإدارة الترابية، ولا نخب محلية وسيطة.. كان الأمر ينذر بكوارث الله وحده يعلم مداها. وبحكم البلوكاج السياسي وشكل النخب الحزبية، فوحدها الدولة، أقصد السلطة السياسية، شعرت بوصول العقرب إلى الخط الأحمر، وكان لابد من تحريك الشجرة من أجل إسقاط آخر ثمارها التي فات أوان نضجها، فكان الزلزال الملكي عاصفا، ينبئ عن استراتيجية مغايرة في تعامل الدولة مع خدامها..

 

لعل هذا ما يفسر وتيرة تداعي الأحداث والقرارات، بشكل متسارع، في 14 أكتوبر يخطب الملك في برلمانيي الأمة متحدثا بنبرة مبشرة تارة ومحذرة تارة أخرى، وفهم الكل أن الزلزال آت لا ريب فيه، لكن متى؟ وكيف؟ ومن؟... تلك هي المسألة التي ظلت ملغزة، لكن من يومها دخل مفهوم "الزلزال" السياسي الحقل التداولي للمغاربة.

 

ويوم 24 أكتوبر، أعلن بلاغ الديوان الملكي عما أسفر عنه تزحزح الطبقات الداخلية في عمق الدولة، وبؤرة حدوث الزلزال ومجاله، والمسؤولين الذين قصدهم، من قصروا أو أخلوا بمسؤولياتهم، وممن تم إعدام مستقبلهم السياسي، وزراء كبار ورئيس إدارة عمومية لم يشفع له أن يكون أخوه بجوار الملك وأحد أكبر مستشاريه، إن عهدا آخر بدأ.. لكن إلى أي مدى سيسير؟

 

لا نملك عيون زرقاء اليمامة لنرى أبعد ما تسمح به الوقائع والأحداث، لكن أول الغيث قطرة ثم ينهمر.

 

التحقيب السياسي الجديد

 

قد تصلح السياسة في المغرب اليوم للتحقيب الجيولوجي، بين الزلزال الأول الذي ضرب بنكيران وأتم إخوته في الحزب باقي مراسيم الدفن، والزلزال الثاني الذي مس الوزراء: محمد حصاد ونبيل بنعبد الله ورشيد بلمختار وحكيمة الحيطي والحسين الوردي ولحسن السكوري ومحمد أمين الصبيحي ولحسن حداد والعربي بن الشيخ، وعلي الفاسي الفهري، المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والزلزال الثالث الذي ضرب 180 رجل سلطة بينهم والٍ خريج البولتكنيك، وستة عمال، و173 بين قائد وشيخ وباشا وخليفة، وستة كتاب عامين...

 

بالأمس كانت تحدث انفجارات كبرى، انقلابان عسكريان، إضرابات كبرى 1965، 1971، 1981، 1984، 1990، عبر كل هذه الانفجارات كانت الدولة تنجح في تجديد دمائها وفي امتداد إدارتها في قلب كل المجالات الحيوية، وكانت الأحزاب المعارضة تتلقى إثر هزة اجتماعية ضربة سياسية، مع كل انفجار اجتماعي كانت تحدث مقاطعات جديدة وتقسيم عمالات وولادة أخرى كانت تسمح للإدارة الترابية بضبط المجال والتحكم فيه.

 

اليوم يبدو أن الملكية تستوعب ما حدث من انفجار خاصة بالحسيمة، وتسعى إلى ترتيب علاقة جديدة مع الإدارة السياسية أو الترابية، أي أنها تقوي نفوذها عبر مسطرة ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي يعتبر مطلبا حيويا لدى كل فئات الشعب ومختلف الفاعلين، اللهم إلا ضحايا الزلزال.

 


حتى مع عقاب مسؤولين من الإدارة الترابية المرتبطين بوزارة الداخلية، صدر بلاغ للديوان الملكي يعلن إعفاء الملك لـ 180 رجل سلطة مع مختلف العقوبات، التي هي ذات طابع إداري، التوقيف والإحالة على المجالس التأديبية، التوبيخ، وهو ما يعني أن محمد السادس يقود الملكية نحو مرحلة ثالثة، المرحلة الأولى مع تعيينه والإشارات السياسية الكبرى الملازمة للعهد الجديد، والمرحلة الثانية مع دستور 2011 ونجاة المملكة من الطوفان بسبب الملكية التي شكلت صمام أمان، ومع انطلاق الزلزال الثالث، ينهي محمد السادس مع سياسة "عفا الله عما سلف"، ويعطي نفسا جديدا للملكية، التي تقوت أكثر حتى في داخل مختلف الأجهزة الإدارية ومؤسسات الدولة، لقد استعاد الملك، بإجراءات محط انتظارات الأمة، ما حاول أن ينتزعه منه دستور 2011، ومن جهة أخرى، قدم درسا لكل خدام الدولة، من خلال عبرة أن تنظيف البيت يبدأ من الدرج الأعلى في اتجاه الأسفل، لقد بدأ برأس الحكومة وتدرج نحو الوزراء ومدير بدا كما لو أنه من المقدسات بحكم المهام التي تفرقت لدى غيره واجتمعت بين يديه، ووصل حتى الولاة والعمال والقياد والشيوخ وخليفة القياد، والبقية تأتي.

تعليقات الزوار ()

اوقات القطار

الإنطلاق من
الوصول الى

أوقات الصلاة و حالة الطقس

اختر مدينتك
حالة الطقس
الحرارة العليا°C
الرطوبة%
سرعة الرياح mps
الصلاةالتوقيت
الفجر00
الظهر00
العصر00
المغرب00
العشاء00