•   تابعونا على :

السلطانُ المغربي المخلوع

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الأحد 25 يونيو 2017

يكاد يجمع مؤرخو تاريخ المغرب الحديث على أن صراع السلطانين العلويين المولى عبد العزيز والمولى حفيظ، وصراع المؤيدين لهذا السلطان أو ذاك، هو الذي أدخل المغرب إلى كوارث ومتاهات سياسية انتهت بالاستعمار الفرنسي واستمرت بالاستعمار السلمي الذي مازال بين ظهرانينا إلى اليوم…

 

هل كان هذا نتيجة انصراف السلطان المولى عبد العزيز لشهواته ولذاته ولعبه، تاركا الدار البيضاء ووجدة للاحتلال وقابلا شروط الخزيرات التي حطت من كرامة المغرب وأهانته؟؟؟ ثم ألم يقبل المولى عبد الحفيظ شروط الخزيرات وتنازل عن الجهاد لتحرير المدينتين، بل وأمضى معاهدة الحماية..!! أسئلة نتركها في ذمة كل مؤرخ بحاثة، والذي يهمنا هنا هو ما قام به بعض الشيوخ العلماء، وعلى رأسهم زعيم الزاوية الكتانية "عبد الحي الكتاني"، الذي ناصر بكل قوة واستماتة المولى عبد الحفيظ، واعتبره السلطان الغازي والعالم، وطالب بكل إصرار بعزل أخيه المولى عبد العزيز، الذي كان يطلق عليه "السلطان المخلوع"، وإذا خفّف نعته بصاحب الرباط، أي أن سلطته لا تتجاوز مدينة الرباط.. ويكتب الشيخ عبد الحي وهو يتكلم عن محاولة شراء صمته من طرف المخزن العزيزي قائلا: "لطالما خاطبت الدولة العزيزية إذّاك الشيخ عبد الكبير (أبوه) ليرد جماح أولاده بالأحمر الرنان، يعني الذهب، والأبيض المدور، يعني الدرهم"..!! وبإيعاز من فرنسا أصدر مناصرو المولى عبد العزيز جريدة "الصباح" سنة 1904 وعينت لرئاسة تحريرها "إدريس الخبزاوي" الجزائري، ولم تنشر سوى 52 عددا.

 

"الخبزاوي" هذا لم يقنع تخبيزه الإعلامي راعيته فرنسا، ولا أقنع الطبقة القارئة في المغرب آنذاك.. بعد هذه الخيبة الإعلامية الاستعمارية أنشأت فرنسا جريدة "السعادة"، التي كان يسميها الوطنيون المغاربة جريدة "الشقاوة".. وجعلت لها مديرا مسيحيا مارونيا اسمه "وديع كرم"، هذا اللبناني الذي كان ينعته شيوخ الوطنية وزعماؤها بالابن الحميم لفرنسا وعميل إعلامها، هذه الجريدة التي استمرت حتى سنة 1953 ولعلها توقفت لأن المغرب أصبح عنده اكتفاء ذاتي من العملاء، مما أغناه عن استيرادهم..!!

 

"وديع كرم" الذي عبر جريدته أو جريدة أسياده شتم وطعن في علماء "فاس" والفقهاء، وشن حربا إعلامية ضد من بايعوا السلطان المولى حفيظ…  واجه العلماء المتنورون المغاربة هذه الهجمة الإعلامية الاستعمارية بزعيمها اللبناني بتآليف كلها صدرت سنة 1908، كمقالة من سنان القلم لتنبيه وديع كرم لابن سودة، و"تنبيه المستبد" ليحيى الصقلي، و"الجيش العرمرم لهزم وديع كرم".. ونفتخر بهؤلاء العلماء الأجلاء المغاربة الذين واجهوا الكلمة بالكلمة، وما أفتوا بقتل أو بعنف حتى وإن شتموا من طرف نصراني واضح العمالة للاستعمار الفرنسي…

 

والذي يهمنا هنا.. رسالة الشيخ عبد الحي الكتاني التي سماها "مفاكهة ذوي النبل والإجادة حضرة مدير جريدة "السعادة"، وهي رسالة حققها ذ. محمد العلمي والي بشكل نبيه له منا كل الشكر والعرفان.. ونلاحظ أن العنوان فيه احترام شديد لمدير إعلامي عميل.. وهكذا شرح الشيخ الكتاني في رسالته شروط الخلافة والإمامة التي حصرها في ثمانية شروط، نختصرها في أن الخليفة يجب أن يكون مجتهدا في الأحكام الشرعية ويتوفر على قوة النفس، وأن يكون عدلا تقيا ورعا، وأن يكون بالغا، وأن يكون ذكرا، وأن يكون نافذ الحكم مطاعا، وأن يكون بصيرا بأمور الحرب، وأن يكون حرا لأن العبد مشغول بحقوق سيده..!! ويرى الشيخ أن المولى عبد العزيز لا يتوفر إلا على ثلاثة شروط،  وهي أنه ذكر وبالغ وحر..!!

 

ومن ثم يعدد الشيخ مساوئ السلطان ومثالبه، نلخصها بنص ما جاء في الرسالة، فالشيخ يلوم السلطان على تبذير الأموال في ملذاته وشهواته النفسانية وتمكينه  وزراء غشاشين من امتصاص أموال الرعية… مازالوا يمصون يا شيخنا..!! ثم استبداله مجالس أهل العلم والاقتباس من مشكلاتهم بمجالسة الأراذل..!! ويضيف الشيخ ولما لطموا سفيرنا "بريشة" بصبانيا (إسبانيا) من يد نصراني فأقيم له العذر بأنه أحمق فما لغا لاغ، أي ما استنكر أحد ولا شجب..!! ثم وزير ماليته يستخدم إخوته في أهم مصالح الدولة ويفرق الباقي على أقاربه، ولم نسمع قط أن حضرة مولانا المخلوع التفت إلى ذلك..!! ووزير خارجيته لا يعلم شيئا من جنس مأموريته ويعرف شيئا واحدا هو تهيئة الطابلات لجلوس الفرنج عيها لأن البنطلون يمنعهم من التربع..!! أما السكة الحديدية المضروبة في أيامه وما أدخل في ذلك من الغش والخديعة…. والفرق كبير بين علو ما صرف على سكك الدنيا وما صرف على سكك المغرب..!! ويضيف  الشيخ بمرارة يكفي أن حضرة مولانا المخلوع لما جلب إلى فاس المغنيات المصريات تركت رنة عظيمة في الشرق حتى قال أحد نوابغ المصريين، يعني به الشاعر حافظ إبراهيم، وهو يخاطب سلطان المغرب المولى عبد العزيز يذكره بما وقع لملوك الأندلس..

 

عبْدَ العزِيز لقَدْ ذكّرْتَنا أُمَماً

كانَتْ جِوَاركَ فِي لهْوٍ وفِي لعِبِ

ذكّرْتَنا يوم ضاعَتْ أرْض أنْدلُسٍ

الْحَرْبُ في البَاب والسُّلْطان في اللَّعِبِ

 

أبعد هذا تلومنا يا وديع على خلع السلطان عبد العزيز وبيعة السلطان الغازي المولى حفيظ، ولما كتب وديع كرم في سعادته كيف تلومون مولانا عبد العزيز على السلف (القرض) من فرنسا، والذي شاء مولانا أن يجدده لمعاونتكم، يجيب الشيخ الكتاني نصا "كلاّ، والله وتالله ما قصد بالقرض الجديد معاونتنا وإنما يطلب به دمارنا، فأرني ما أعاننا به من السلف القديم"… ولما كتب الماروني اللبناني موجها كلامه للعلماء والفقهاء ما نصه "من منكم لا يسلف ولا يتسلف بالربا.."..!! هنا يغضب الشيخ ويجيب بما نصّه "لقد اتهمت العلماء بما ليس لك فيه دليل وإن كان الرعاع فلجهل منهم"..

 

ويضيف الشيخ غاضبا موجها  كلامه للمدير الماروني "مالك وللشرعيات ارجع إلى معابد آبائك وأديار أسلافك، فإن كنت نسيتها ذكرناك بها"..!! وحينما يكتب وديع كرم ما نصّه: "لا يجوز خلع السلطان حتى يقر لنفسه بالعجز" يجيبه الشيخ الكتاني بمنطق مبهر قائلا: "متى أقر أحد من المخلوعين بعجزه"..!! رسالة خالدة ترجمت إلى أكثر من لغة… ما أبعد اليوم من البارحة أو لعل..!!

 

ومن نكاية التاريخ أن الشيخ عبد الحي الكتاني الذي ظل منافحا ومناصرا ومدافعا عن المولى عبد الحفيظ سجنه هذا الأخير، ومات أخوه محمد تحت التعذيب في حكاية يطول سردها!! إنها غضبة من غضبات المغرب الشامخة كنا نود ألا نترك.. منها حرفا.. لكنه اللاّمجال!!

 

يبقى فقط أن أقول: إن الشيخ الغاضب الجليل أنهى رسالة موجها كلامه للمدير الماروني اللبناني "كان يمكن أن أعرض عن جوابك ونشتغل بما هو أعلى وأغلى.. على مذهب من كان ينهى عن لعن إبليس، ويقول تسبيحة أو تهليلة أفضل عند الله من لعن إبليس… فإنه ملعون ومن رحمته مغبون".. ويقول عن رسالته "وما اتخذنا هذه الوريقات إلا فكاهة يتفكه بها صغارنا ومسرحة فكر يتسلى بها أواسطنا"..!! حييت أيها الشيخ الجليل… ما جدوى لعن إبليس…!!

 

وكل سلطان وأنتم……!!

 

تعليقات الزوار ()

اوقات القطار

الإنطلاق من
الوصول الى

أوقات الصلاة و حالة الطقس

اختر مدينتك
حالة الطقس
الحرارة العليا°C
الرطوبة%
سرعة الرياح mps
الصلاةالتوقيت
الفجر00
الظهر00
العصر00
المغرب00
العشاء00